الجسم الحقوقي الوطني يتضامن مع الغلوسي ويثير نقاش حماية المبلغين عن الفساد

Boubker BAROUD27 يناير 2026 مشاهدة
الجسم الحقوقي الوطني يتضامن مع الغلوسي ويثير نقاش حماية المبلغين عن الفساد

أثار الحكم الصادر عن المحكمة الابتدائية بمراكش، في يناير 2026، في حق الحقوقي محمد الغلوسي، رئيس الجمعية المغربية لحماية المال العام، موجة واسعة من التفاعل داخل الأوساط الحقوقية والسياسية، متجاوزا بعده القضائي إلى نقاش أعمق حول دور المجتمع المدني في مراقبة تدبير المال العام، وحدود التوازن بين حماية السمعة الفردية وحق التبليغ عن شبهات الفساد.
واعتبر عدد من الفاعلين الحقوقيين أن القضية لا يمكن قراءتها كملف قانوني تقني فقط، بل كاختبار حقيقي لمتانة الإطار القانوني المنظم للعمل الرقابي الجمعوي، في ظل التخوف من أن ينتج هذا النوع من المتابعات أثرا ردعيا قد يثني فاعلين آخرين عن الانخراط في قضايا الحكامة والشفافية.
وفي هذا السياق، عبّرت العصبة المغربية للدفاع عن حقوق الإنسان عن قلقها من ملاحقة فاعلين حقوقيين بسبب أدوارهم الرقابية، معتبرة أن ذلك يطرح تساؤلات جوهرية حول مستقبل الديمقراطية التشاركية وضمانات حرية التبليغ. الموقف ذاته تبنته الهيئة المغربية لحقوق الإنسان، التي رأت في الحكم إشارة سلبية قد تفهم كتضييق غير مباشر على من يكشفون اختلالات تدبير المال العام، داعية إلى تحصين المبلغين ضمن سياسة شاملة لمحاربة الفساد.
من جهتها، حذرت الجمعية المغربية لحقوق الإنسان من هيمنة المقاربة الزجرية في التعامل مع الأصوات النقدية، مؤكدة أن الدور الطبيعي للمجتمع المدني يظل في إطار المراقبة والمساءلة والمشاركة في النقاش العمومي حول الشفافية والحكامة. كما ربط المنتدى المغربي من أجل الحقيقة والإنصاف القضية بسياق أوسع يمس حرية التعبير، داعيا إلى تمكين الفاعلين المدنيين من أداء أدوارهم دون الخوف من تضييق قانوني ناتج عن تأويلات ضيقة للنصوص.
وامتد هذا النقاش إلى الحقل السياسي، حيث اعتبرت فيدرالية اليسار الديمقراطي أن القضية تطرح إشكالية أعمق تتعلق بمناخ الحريات ووضعية المجتمع المدني، في مرحلة تتسم بحساسية خاصة وتتطلب، بحسبها، يقظة إضافية تجاه حقوق الفاعلين الجمعويين.
ويعيد هذا الالتفاف الحقوقي والسياسي طرح سؤال هشاشة وضعية المبلغين عن الفساد بالمغرب، في ظل استمرار فراغات تشريعية على مستوى الحماية القانونية، رغم الخطاب الرسمي الذي يضع الشفافية في صلب السياسات العمومية. وتزداد حدة هذا النقاش عند مقارنة سرعة المتابعة في قضايا القذف والتشهير ببطء معالجة ملفات كبرى مرتبطة بنهب المال العام وتضارب المصالح.
ورغم التأكيد على أن استقلال القضاء يظل مبدأ دستوريا لا نقاش فيه، فإن قضية محمد الغلوسي، بما أثارته من تفاعل واسع، تقدم اليوم كرسالة واضحة إلى المشرّع وصناع القرار بضرورة تحيين الإطار القانوني المنظم للتبليغ عن الفساد، بما يضمن حماية الفعل الرقابي دون المساس بحقوق الأفراد أو باستقلال السلطة القضائية.
فمحاربة الفساد، كما يرى المتابعون، لا يمكن أن تختزل في مسؤولية فردية، بل تظل خيارا جماعيا تتقاسمه الدولة والمجتمع، ضمن معادلة ثقة يكون فيها القانون سندًا وحافزًا للمساءلة، لا عبئا يحد من فعاليتها.

عاجل