عاد خطاب محاربة الفراقشية إلى الواجهة، متصدّرا التصريحات والزيارات الميدانية، في محاولة لإظهار القرب من هموم المواطنين والغضب من استغلال المال العام. غير أن هذا الخطاب يطرح مفارقة جوهرية، حين يصدر عن جهات كانت جزءا من المسار التشريعي والسياسي الذي وفّر، عمليا، مظلة حماية لهذه الفئة.
فالفراقشية لم يظهروا من فراغ، ولم يشتغلوا خارج منظومة قانونية ومؤسساتية. بل استفادوا، عبر سنوات، من اختيارات تشريعية قيّدت المتابعة في قضايا المال العام، وقلّصت دور المجتمع المدني، وأضعفت آليات الرقابة والمساءلة. ويأتي في مقدمة هذه الاختيارات حصر تحريك المتابعة في قنوات رسمية، ما جعل محاربة الفساد رهينة بإرادة سياسية غالبا ما تغيب أو تتأخر.
وفي السياق ذاته، تراجع الدور الرقابي للصحافة بفعل تضييق قانوني متزايد، حوّلها في كثير من الحالات من سلطة كشف وتنبيه إلى فاعل مقيّد يخشى المتابعة أكثر مما يخشاه المتورطون في نهب المال العام. وهو ما وفّر بيئة مريحة للفراقشية، بعيدا عن الأضواء والمحاسبة.
وعندما ارتفع منسوب الغضب الشعبي، وطُرحت مطالب واضحة بتفعيل لجان تقصّي الحقائق حول ملفات الدعم العمومي والامتيازات، تم اللجوء إلى صيغ بديلة محدودة الصلاحيات، لا ترقى إلى مستوى الكشف الحقيقي عن المستفيدين ولا إلى ربط المسؤولية بالمحاسبة، ما زاد من تعميق فجوة الثقة.
اليوم، يُقدَّم الخطاب نفسه وكأنه موقف جديد، في حين أنه يتجاهل الجذور السياسية والتشريعية للمشكل. فمحاربة الفراقشية لا تختزل في تصريحات أو جولات ميدانية، بل تبدأ بإصلاح القوانين التي تحميهم، وفتح باب المساءلة، وتمكين القضاء والصحافة والمجتمع من القيام بأدوارهم كاملة.
لقد راكم المغاربة وعيا كافيا لفهم أن الفساد ليس حادثا عرضيا، بل نتيجة منظومة. ومن يرفض الاعتراف بدوره في بناء هذه المنظومة، لا يمكن لخطابه، مهما بدا غاضبًا، أن يُقنع أو يستعيد المصداقية
عبد الجبار بوعودي





















































