مراكش بين التنشيط الثقافي وصناعة الإبداع: ملامح مشهد متعدد الحيوية والاختلالات

Boubker BAROUD28 نوفمبر 2025 مشاهدة
مراكش بين التنشيط الثقافي وصناعة الإبداع: ملامح مشهد متعدد الحيوية والاختلالات

أظهرت معطيات دراسة حديثة صادرة عن مركز تنمية جهة تانسيفت، بشراكة مع الجماعة الترابية لمراكش، صورة مركّبة للمشهد الثقافي بالمدينة، تجمع بين حيوية الأنشطة وتنوع الفاعلين من جهة، وبين اختلالات في الحكامة وتدبير البنيات من جهة أخرى. وجاء هذا العمل في إطار الدورة التاسعة عشرة لملتقى الثقافة والإبداع بهدف توفير أرضية عملية لإصلاح السياسات الثقافية وتعزيز صناعة محلية مستدامة.

وتشير النتائج إلى أن مراكش تتوفر على شبكة واسعة من المرافق الجماعية، يبلغ عددها 174 مرفقاً تهم المجالات الرياضية والثقافية والاجتماعية. ورغم هذا الامتداد المجالي، يبرز تفاوت في جودة الخدمات المقدمة، وضعف في التأطير البشري، ونقص في التجهيزات الرقمية والتقنية، إلى جانب غياب رؤية موحدة تنظم البرمجة الثقافية وتضمن انسجامها.

وبخصوص المؤسسات التابعة لوزارة الثقافة، فقد تم الوقوف على أهمية الدور الذي تلعبه منشآت مثل دار الثقافة الداوديات، والمركب الثقافي العربي الكواكبي، ومعهد الموسيقى، والمكتبة الوسائطية الكدية. غير أن هذه المرافق تواجه تحديات عديدة، من بينها قلة الموارد البشرية المتخصصة، وضعف الصيانة والتجهيز، وتأثر بعض البنيات بالزلزال الأخير، إضافة إلى محدودية التكوين في الفنون التراثية.

كما تبرز الدراسة أهمية جامعة القاضي عياض باعتبارها رافعة ثقافية مؤثرة في المدينة، من خلال نواديها العلمية والفنية ونشاطها الطلابي. ومع ذلك، فإن فرص التعاون بين الجامعة والمرافق الثقافية لا تزال محدودة مقارنة بالإمكانات المتاحة، ما يحرم الوسط الثقافي من طاقات شابة قادرة على ضخّ روح جديدة في المشهد الإبداعي.

ومن بين الخلاصات المسجلة، ضعف انخراط الجمعيات في استثمار البنيات المتوفرة والمشاركة في صياغة برامج ثقافية منتظمة، وهو ما يعكس فجوة في التواصل والثقة بين الفاعلين المدنيين والمؤسسات. كما أن جزءاً من الدينامية الثقافية يظل خارج الإطار المؤسساتي رغم توفر مساحات قادرة على الاحتضان والتأطير.

وتبرز المعطيات عدم التوازن بين وفرة البنيات وغياب برامج حيوية تستجيب لانتظارات الساكنة، مما يجعل عدداً من المرافق في حالة عطالة أو تعمل بإيقاع ضعيف. ويؤكد التحليل أن قوة النشاط الثقافي لا تنبع فقط من توفر الفضاءات، بل من كيفية توظيفها لتشجيع الإبداع وتحويل الثقافة إلى ممارسة يومية ذات قيمة اقتصادية ورمزية.

IMG 20251128 WA0030

كما تمت الإشارة إلى سبع مراحل أساسية تقوم عليها الصناعات الثقافية على المستوى الدولي، تشمل الإبداع، والإنتاج، والنشر والتوزيع، والتسويق، والاستهلاك، والحماية القانونية، وإعادة الاستثمار. وبإسقاطها على واقع المدينة، يتضح توفر قاعدة بشرية قادرة على الإبداع، مقابل ضعف في مؤسسات الإنتاج، وهشاشة في قنوات التوزيع، وغياب رؤية تسويقية واضحة، فضلاً عن استمرار إشكالات مرتبطة بالملكية الفكرية وغياب منظومة اقتصادية تجعل الثقافة قطاعاً منتجاً.

وفي الجانب العملي، طُرحت مجموعة من المقترحات، من بينها إعداد تقرير سنوي للعمل الثقافي، ووضع سجل موحد للأنشطة، وإنشاء لوحة قيادة لتتبع أداء المرافق، واعتماد مؤشرات لقياس نسب الاستعمال، وتأهيل الموارد البشرية عبر حصر الكفاءات، إلى جانب إصدار موسوعة توثق المرافق الثقافية للمدينة.

وتخلص الدراسة إلى أن مراكش، بما تمتلكه من تراث ورأسمال رمزي وتنوع إبداعي، قادرة على التحول إلى نموذج وطني في إدارة الثقافة وصناعة الإبداع، إذا ما تم توحيد الرؤية وتعزيز التعاون وإعادة ترتيب الأولويات بما يجعل المرافق الثقافية شبكة متناغمة وفاعلة في خدمة ساكنة المدينة.

عاجل

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق
error: