ليست وفاة شاب داخل مقر للشرطة حادثا عاديا يمكن طيه ببلاغ مقتضب أو رواية جاهزة. نحن أمام واقعة خطيرة تستوجب، بلا تأخير ولا مناورة، فتح تحقيق قضائي عاجل ومستقل تحت إشراف النيابة العامة المختصة، تحقيق يذهب إلى النهاية لكشف الحقيقة كاملة وتحديد المسؤوليات بدقة، أيا كانت مواقع أصحابها.
القانون في هذا المجال لا يترك مجالا للتأويل. فالشخص الموضوع تحت الحراسة النظرية يكون عمليا في قبضة الدولة وتحت سيطرتها الكاملة، ما يجعل الإدارة مسؤولة مسؤولية تامة عن سلامته الجسدية والنفسية. الحرمان من الحرية ليس إجراء إداريا عابرا، بل وضع استثنائي يحمّل الدولة التزاما إيجابيا ومشددا بالحماية، يتجاوز مجرد منع اعتداء الغير ليشمل درء أي خطر قد يصدر عن الشخص نفسه.
عندما يُسلب الإنسان حريته، تنتقل حمايته كاملة إلى الجهة التي وضعت يدها عليه. هذا مبدأ بسيط لكنه حاسم. لذلك فإن أي وفاة داخل فضاء أمني، خصوصا وأنها حالة انتحار، تثير شبهة جدية حول مدى احترام واجب المراقبة واليقظة المفروض قانونا على المكلفين بالحراسة. فالحراسة النظرية تقتضي مراقبة مستمرة، وتفتيشا دقيقا، ومنع أي وسيلة يمكن أن تستعمل للإيذاء، والتدخل الفوري عند ظهور أي مؤشر خطر. وأي خلل في هذه السلسلة يعني أن واجب الحماية لم يؤدّ كما يجب.
المسؤولية هنا لا تتوقف عند إثبات خطأ فردي مباشر، بل قد تقوم على أساس الإخلال بواجب الحراسة ذاته، وهو التزام قانوني يرتبط مباشرة بوضع الشخص تحت السلطة الفعلية للإدارة. فبمجرد تقييد الحرية، يصبح واجب الحماية مطلقاً لا يقبل التخفيف ولا الأعذار.
إن الرهان اليوم ليس فقط معرفة كيف توفي الشاب، بل تأكيد أن أماكن الاحتجاز تخضع لرقابة صارمة تحترم كرامة الإنسان وتصون حياته. فأي تهاون في هذا المجال لا يمس فردا واحدا فحسب، بل يضرب في العمق الثقة في مؤسسات يفترض أنها وجدت لحماية الحقوق لا لتعريضها للخطر.
وفاة شاب داخل مقر أمني… مسؤولية لا تحتمل التبرير





















































