عبد العزيز السيدي يدعو إلى إعادة الاعتبار للحياة المدرسية وربط التعلمات بالابتكار والتنمية المستدامة
تفرض التحولات التي يشهدها المجتمع المغربي إعادة النظر في وظائف المدرسة وأدوارها، بما يجعلها فضاء لإنتاج المعرفة وبناء الشخصية وتنمية القدرات الإبداعية، وليس مجرد مؤسسة لتلقين الدروس والتحصيل الأكاديمي. وفي هذا السياق، تبرز الحياة المدرسية والتربية الجمالية باعتبارهما رافعتين أساسيتين لتعزيز الاندماج الاجتماعي والاقتصادي للشباب، وتأهيلهم للمساهمة في التنمية وخلق فرص جديدة في مجالات الإبداع والمقاولة الثقافية.
وفي هذا الإطار، يقدم عبد العزيز السيدي، رئيس مركز رؤى للأبحاث والدراسات والتكوينات في التربية والثقافة والتنمية، مقاربة تربوية نسقية تدعو إلى تجاوز التصورات التقليدية للحياة المدرسية، والانتقال نحو نموذج يجعل المتعلم في صلب العملية التعليمية، ويربط بين التكوين المعرفي والتربية على القيم والمهارات الإبداعية والاستعداد للحياة المهنية.
يرى السيدي أن تطوير المدرسة المغربية يقتضي تجاوز النظرة التقليدية التي تحصر الأنشطة المدرسية في إطار الأنشطة الموازية، باعتبارها ممارسات تكميلية منفصلة عن التعلمات الأساسية، نحو إدماجها في مشروع تربوي متكامل يجعلها جزءا من المنهاج ومن عملية بناء شخصية المتعلم.
ويستند هذا التوجه إلى المقاربات التربوية الحديثة، ولا سيما المنظور السوسيو-بنائي الذي يؤكد أهمية التفاعل الاجتماعي والمحيط في بناء التعلمات، كما ينطلق من اعتبار الحياة المدرسية صورة مصغرة للحياة الاجتماعية، بما توفره من فرص لتنمية القدرات المعرفية والوجدانية والحسية والحركية.
ويكتسي هذا التحول أهمية خاصة في ضوء المرجعيات الوطنية المؤطرة لإصلاح منظومة التربية والتكوين، بدءا من الميثاق الوطني للتربية والتكوين، مرورا بمقتضيات دستور 2011 المتعلقة بالإبداع الثقافي والفني وتشجيع الشباب، وصولا إلى القانون الإطار رقم 51.17 المتعلق بمنظومة التربية والتكوين والبحث العلمي.
ومن هذا المنطلق، تصبح الحياة المدرسية مجالا فعليا للتعلم بالممارسة، وتنمية روح المبادرة، وتعزيز المشاركة والمسؤولية، بما يساعد على إعداد متعلمين أكثر قدرة على التفاعل مع التحولات الاجتماعية والاقتصادية.
لا يقتصر دور المدرسة، وفق هذه المقاربة، على نقل المعارف والمهارات التقنية، بل يمتد إلى تنمية الحس الجمالي والذوق الفني والقدرة على فهم الاختلاف والتفاعل الإيجابي مع المحيط.
وفي هذا السياق، تستمد التربية الجمالية أهميتها من قدرتها على تطوير المهارات الناعمة، مثل التواصل والعمل الجماعي والتفكير النقدي وحل المشكلات، وهي مهارات تزداد أهميتها في عالم سريع التحول.
كما تستحضر هذه المقاربة إسهامات عدد من المفكرين والباحثين في علم الاجتماع والتربية، من بينهم إميل دوركايم الذي أبرز دور المدرسة في التنشئة الاجتماعية، وبيير بورديو الذي حلل علاقة الرأسمال الثقافي بإعادة إنتاج الفوارق الاجتماعية.
ومن ثم، فإن تعميم فرص الاستفادة من الأنشطة الثقافية والفنية داخل المؤسسات التعليمية يمكن أن يسهم في الحد من التفاوتات المرتبطة باختلاف الأوساط الاجتماعية، عبر إتاحة فضاءات مشتركة للتعبير والإبداع واكتشاف المواهب.
ويتقاطع هذا التوجه أيضا مع أفكار إدغار موران بشأن التربية على الفهم الإنساني وفن العيش، ومع دعوات كين روبنسون إلى جعل الإبداع مكونا أساسيا في العملية التعليمية، بدل حصر النجاح المدرسي في التحصيل التقليدي.
وعلى المستوى الوطني، يبرز هذا الرهان أهمية الوظيفة الثقافية للمدرسة، كما وردت في الرؤية الاستراتيجية لإصلاح منظومة التربية والتكوين 2015-2030، التي جعلت الارتقاء بالفرد والمجتمع وتعزيز الأدوار الثقافية للمؤسسات التعليمية من مداخل الإصلاح.
في بعدها الاقتصادي، تطرح هذه المقاربة إمكانية تحويل الحياة المدرسية إلى فضاء لاكتشاف المواهب وتأهيلها، وفتح آفاق جديدة أمام الشباب في مجالات الصناعات الثقافية والإبداعية والمبادرات الاجتماعية.
ففي ظل التحولات التي يعرفها سوق الشغل، لم تعد المعارف النظرية وحدها كافية لضمان الاندماج المهني، بل أصبحت الحاجة ملحة إلى مهارات الابتكار والتواصل والتدبير والعمل الجماعي والقدرة على تحويل الأفكار إلى مشاريع قابلة للتنفيذ.
وتستند هذه الرؤية إلى نظرية الرأسمال البشري التي طورها الاقتصادي غاري بيكر، وإلى مقاربة القدرات لدى أمارتيا سين، التي تجعل توسيع إمكانات الأفراد وخياراتهم أحد المداخل الأساسية لتحقيق التنمية.
وانطلاقا من ذلك، يمكن للأندية المدرسية والمشاريع الفنية والثقافية أن تتحول إلى مختبرات تربوية مصغرة، يتعلم فيها التلاميذ كيفية التخطيط للمشاريع وتدبير الموارد والعمل ضمن فرق، فضلا عن تطوير قدراتهم على الابتكار والتواصل مع محيطهم.
ويتيح هذا التوجه إمكانية الانتقال من استهلاك المنتوجات الثقافية إلى المساهمة في إنتاجها، بما يفتح المجال أمام بروز جيل قادر على تطوير مبادرات ومشاريع في مجالات الفنون والإبداع والخدمات الثقافية.
غير أن تحقيق هذا الهدف يظل رهينا بتوفير التأطير التربوي المناسب، والموارد الضرورية، وشراكات فعالة بين المؤسسات التعليمية والفاعلين الثقافيين والاقتصاديين والجمعويين.
يرتبط نجاح هذا التصور، بحسب السيدي، بمدى قدرة المؤسسات التعليمية على اعتماد حكامة تربوية منفتحة، تجعل مشروع المؤسسة المندمج أداة لتنظيم المبادرات وتنسيق الجهود وتحسين جودة التعلمات.
ويقتضي ذلك بناء شراكات بين المدرسة ومحيطها، على أساس تكامل الأدوار والمصالح، بما يسمح باستثمار الخبرات والموارد المتاحة لتطوير الأنشطة التربوية والثقافية.
كما يستدعي الأمر مراجعة آليات تقييم أداء المؤسسات التعليمية، بحيث لا تقتصر على النتائج الدراسية والمؤشرات الكمية، بل تشمل أيضا مدى مساهمة المدرسة في تنمية شخصية المتعلم، واكتشاف مواهبه، وتعزيز قدرته على الاندماج الاجتماعي والمهني.
وفي هذا السياق، يصبح تتبع المشروع الشخصي للمتعلم وربطه بأنشطة الحياة المدرسية مدخلا مهما لتحديد ميولاته ومؤهلاته، ومساعدته على بناء اختياراته المستقبلية على أسس واقعية.
وتبرز أهمية هذا التوجه في ضرورة جعل الأنشطة الثقافية والفنية جزءا فعليا من التخطيط التربوي والتقييم المؤسساتي، بدل التعامل معها باعتبارها مبادرات عرضية مرتبطة بمناسبات محدودة.
يخلص عبد العزيز السيدي إلى أن الاستثمار في التربية الجمالية والحياة المدرسية يشكل مدخلا لتعزيز التنمية البشرية المستدامة، بالنظر إلى ما يوفره من إمكانات لبناء شخصية متوازنة، وتنمية روح المبادرة، وتوسيع فرص الاندماج الاجتماعي والاقتصادي.
ويظل التحدي الأساسي أمام المدرسة المغربية هو تحقيق التكامل بين الصرامة العلمية والانفتاح الثقافي والإبداعي، بما يجعل المؤسسة التعليمية فضاء لاكتساب المعارف، واكتشاف القدرات، والاستعداد لمتطلبات الحياة العملية.
وبذلك، فإن الانتقال من «حياة المدرسة» إلى «مدرسة الحياة» لا يمثل مجرد تغيير في المفاهيم، بل يستدعي تحولا في الممارسات التربوية وآليات الحكامة والتقييم، حتى تصبح المدرسة أكثر قدرة على تمكين الشباب من أدوات المشاركة والإنتاج والابتكار.









