بالتزامن مع تخليد عيد الوحدة، تدخل قضية الصحراء المغربية مرحلة جديدة من التحولات السياسية والدبلوماسية، في ظل ما يعتبره المغرب تحولا نوعيا في موازين المواقف الدولية، وتراجعا متزايدا لأطروحة الانفصال، مقابل اتساع دائرة الدعم لمبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية.
فبعد سنوات طويلة من الرهان على اللجنة الرابعة المكلفة بتصفية الاستعمار، واستغلال سياق الحرب الباردة لتسويق أطروحة تقرير المصير، تمكنت جبهة البوليساريو، بدعم من دول وازنة في صناعة القرار الدولي، من تقديم نفسها باعتبارها حركة تحرر. وقد استند هذا المسار إلى توظيف الإمكانيات المالية والموارد المتاحة، إلى جانب آلة دعائية ودبلوماسية واسعة، وضعت المغرب آنذاك أمام ضغوط ومساومات سياسية كبيرة.
غير أن انهيار جدار برلين والتحولات العميقة التي شهدها النظام الدولي، خصوصا مع نهاية التسعينيات، فرضا على المغرب مراجعة أدوات اشتغاله الدبلوماسي، والانتقال نحو مقاربة أكثر واقعية وبراغماتية، تقوم على بناء التحالفات، واستثمار التحولات الدولية، وعدم إهدار الوقت والفرص في معارك دبلوماسية تقليدية لم تعد تواكب المتغيرات.
وفي هذا السياق، تبنى المغرب توجها واضحا يجعل قضية الصحراء المغربية محددا أساسيا في علاقاته الخارجية، مع الانتقال من منطق الدفاع المستمر إلى منطق فرض الندية وتكريس المصالح المتبادلة، دون التخلي عن الحكمة وضبط النفس والصبر الاستراتيجي.
كما شكلت العودة إلى الاتحاد الإفريقي محطة مفصلية في هذا المسار، إذ مكنت المملكة من استعادة موقعها داخل المؤسسة القارية، ومواجهة الأطروحات المناوئة لوحدتها الترابية من داخل الفضاء الإفريقي نفسه. وبموازاة ذلك، اعتمد المغرب سياسة دبلوماسية تقوم على توسيع شبكة الشراكات، وتعزيز الحضور في مختلف المحافل الدولية، ومحاصرة أطروحة الانفصال سياسيا ودبلوماسيا.
وقد جمعت هذه المقاربة بين اليد الممدودة والحزم، والانفتاح على الحوار والتمسك بالثوابت الوطنية، مع رفض الانجرار إلى المواجهة العسكرية أو السماح بتغيير المعطيات المرتبطة بالوضع الميداني. وهي سياسة ساهمت في تحقيق تحول تدريجي في طبيعة النقاش الدولي حول النزاع، من منطق تصفية الاستعمار إلى ترسيخ مبادرة الحكم الذاتي باعتبارها أساسا واقعيا وجادا لتسوية سياسية دائمة، في ظل القرار التاريخي لمجلس الأمن رقم 2797.
وتعكس هذه التطورات، وفق هذا التوجه التحليلي، نجاحا واضحا للدبلوماسية المغربية في إعادة تشكيل مواقف عدد من الدول، وتعزيز الاعتراف بمغربية الصحراء، وهو ما وضع الجزائر وجبهة البوليساريو أمام واقع دبلوماسي مختلف، بعدما تراجعت مواقف بعض الأطراف التي كانت تشكل سندا سياسيا لأطروحة الانفصال.
واليوم، يواصل المغرب الاستثمار في التحولات الجيوسياسية والدولية، مع الحفاظ على لغة القوة والندية، بعيدا عن خطاب التصعيد والتأزيم. غير أن التطور الأبرز يتمثل في الانتقال إلى خطاب سياسي أكثر حسما، يبعث برسائل واضحة مفادها أن مرحلة الابتزاز والمناورات واستنزاف الزمن الدبلوماسي ينبغي أن تنتهي، وأن المرحلة المقبلة تتطلب التعامل مع المعطيات الجديدة بروح المسؤولية والواقعية.
وبالتزامن مع عيد الوحدة وانعقاد مجلس الأمن، تبرز مؤشرات على دخول الملف مرحلة مختلفة، عنوانها إعادة ترتيب الأولويات، والانتقال من تدبير النزاع إلى البحث عن تسوية نهائية تستحضر التحولات التي عرفتها مواقف المجتمع الدولي.
وفي المقابل، تظل الأسئلة مطروحة بشأن مستقبل جبهة البوليساريو ومآل وضعها السياسي، في ظل تراجع هامش المناورة الدبلوماسية وتزايد الضغوط المرتبطة بضرورة الوصول إلى حل سياسي واقعي ومستدام.
إن الرسالة التي يريد المغرب تكريسها اليوم واضحة: المغرب في صحرائه والصحراء في مغربها، والحل السياسي لا يمكن أن ينفصل عن احترام السيادة المغربية ووحدة التراب الوطني.
محمد الغلوسي









