
في زمن اختلطت فيه مفاهيم التربية بالدلـع، والحقوق بالواجبات، والحرص على الأبناء بالتبرير الأعمى لأخطائهم، أطلق الإعلامي والفاعل الحقوقي سعيد أوحديف صرخة قوية في وجه بعض السلوكيات الأسرية التي باتت، بحسب مضمون رسالته، تهدد مكانة المدرسة وتضع الأستاذ في قفص الاتهام عند كل خلاف مع التلميذ. بكلمات مباشرة لا تخلو من الجرأة، أعاد أوحديف طرح سؤال مؤرق: ماذا تغير في علاقة الأسرة بالمدرسة حتى أصبح بعض الآباء يصدقون أبناءهم دون نقاش، ويشككون في رواية الأستاذ قبل حتى الاستماع إليه؟ فبعدما كانت الأسرة تلجأ إلى المعلم طلباً للتربية والتقويم، وتعتبر أن الانضباط واحترام القواعد جزء لا يتجزأ من مسار التعلم، أصبح بعض الآباء، وفق هذا الطرح، يسارعون إلى تقديم الشكايات وتصعيد الخلافات، انطلاقاً من رواية واحدة، دون التحقق من جميع ملابسات الواقعة أو منح الأستاذ فرصة لشرح موقفه. ويضع سعيد أوحديف الأصبع على جرح عميق داخل المنظومة التربوية، حين يحذر من تحويل مجموعات التواصل الاجتماعي إلى محاكم افتراضية تصدر الأحكام وتوزع الاتهامات، أحياناً قبل ظهور الحقيقة كاملة، بما قد يسيء إلى سمعة المدرسين ويقوض الثقة التي يفترض أن تجمعهم بأسر التلاميذ. لكن الرسالة الأكثر إثارة في هذا النقاش تتمثل في سؤال جوهري: من المستفيد حين تفقد المدرسة هيبتها، ويصبح الأستاذ متردداً في ممارسة دوره التربوي خوفاً من الشكايات وسوء الفهم؟ فالتلميذ الذي لا يتعلم احترام القواعد وتقبل الملاحظات والاعتراف بالخطأ، قد يجد نفسه أمام صعوبات أكبر في حياته الدراسية والاجتماعية، خصوصاً عندما تتحول الحماية الأسرية من وسيلة للتوجيه إلى غطاء دائم لتبرير السلوكيات غير المقبولة. ومع ذلك، فإن الدفاع عن مكانة الأستاذ لا يعني تبرير العنف أو التجاوزات، كما أن حماية حقوق التلميذ لا ينبغي أن تتحول إلى مبرر لإضعاف دور المدرس أو التشكيك في كل ما يصدر عنه؛ فالأصل هو الإنصاف، والاستماع إلى جميع الأطراف، والتحقق من الوقائع، وترسيخ ثقافة الحوار والمسؤولية. إن المدرسة ليست خصماً للأسرة، والأستاذ ليس عدواً للتلميذ، بل إن العلاقة بين الطرفين يفترض أن تقوم على الثقة والتعاون والاحترام المتبادل، مع الاحتكام إلى القانون والمؤسسات كلما ظهرت شبهة تجاوز تستوجب المعالجة. ومن هنا، تأتي دعوة أوحديف إلى الآباء والأمهات بضرورة التريث قبل إصدار الأحكام، والاستماع إلى رواية الأستاذ كما يستمعون إلى أبنائهم، والبحث عن الحقيقة بعيداً عن الانفعال وردود الفعل المتسرعة. إنها رسالة تتجاوز الدفاع عن المدرس لتطرح قضية أعمق تتعلق بمستقبل التربية، وحدود المسؤولية الأسرية، وكيفية إعداد جيل قادر على احترام الآخر وتقبل التوجيه وتحمل نتائج أفعاله. فحين تتخلى الأسرة عن دورها التربوي، وتفقد المدرسة قدرتها على التقويم، يكون التلميذ أول من يدفع الثمن. وبين أسرة تحمي أبناءها وأستاذ يسعى إلى تعليمهم، لا ينبغي أن تكون هناك حرب، بل شراكة عنوانها الثقة، وسلاحها الحوار، وغايتها بناء إنسان متعلم ومسؤول. فهل آن الأوان لإعادة بناء جسور الثقة بين الأسرة والمدرسة، قبل أن تتسع الهوة ويصبح الجميع خاسراً؟








