حكومة بلا اتصال وبلا حقوق إنسان.. هل هي حكامة أم فراغ؟

كِشـ تيفي KechTV17 أكتوبر 2026
حكومة بلا اتصال وبلا حقوق إنسان.. هل هي حكامة أم فراغ؟

إن غياب وزارتَي الاتصال وحقوق الإنسان عن التشكيلة الحكومية المعلنة بقيادة فاطمة الزهراء المنصوري يطرح نقاشاً يتجاوز إعادة توزيع الحقائب الوزارية، ليصل إلى طبيعة الاختيارات السياسية والمؤسساتية ومدى انعكاسها على حرية الصحافة وحماية الحقوق والحريات.

قد يُبرَّر هذا التوجه بالرغبة في ترشيد الهيكلة الحكومية، على أساس أن الاتصال مسؤولية أفقية تتقاسمها المؤسسات، وأن حقوق الإنسان التزام دستوري يقع على عاتق الدولة بمختلف سلطاتها. غير أن هذا التبرير يظل رهيناً بوجود بدائل واضحة تضمن استمرارية السياسات العمومية، وتحدد الجهات المسؤولة عن تدبير هذه الملفات ومساءلتها.

ففي قطاع الإعلام، يأتي الاستغناء عن وزارة مستقلة في ظل إكراهات تواجه المقاولات الصحفية، ونقاشات متواصلة بشأن استقلالية الإعلام العمومي وحرية التعبير والأوضاع المهنية للصحفيين. وفي هذا السياق، يبرز التخوف من أن يؤدي توزيع الاختصاصات بين مؤسسات متعددة إلى إضعاف المسؤولية السياسية، ما لم يُحدَّد بوضوح المخاطب الحكومي المكلف بالقطاع والجهة المسؤولة عن تقديم التوضيحات والتفاعل مع المهنيين والرأي العام.

أما في مجال حقوق الإنسان، فإن غياب الوزارة لا يعني بالضرورة تراجعاً في الالتزامات الحقوقية، لكنه يثير تساؤلات حول آليات التنسيق الحكومي والتفاعل مع القضايا المطروحة. فوجود وزارة مستقلة لم يكن، في حد ذاته، ضمانة كافية لمعالجة الاختلالات، كما أن المؤسسات الوطنية المختصة، وفي مقدمتها المجلس الوطني لحقوق الإنسان، تضطلع بأدوار أساسية في الرصد والتوصية والحماية. ومع ذلك، يظل ضرورياً تحديد جهة حكومية واضحة تتولى تنسيق السياسات الحقوقية والتفاعل مع التقارير والملاحظات الواردة من المنظمات الحقوقية الوطنية والدولية.

فهذه المنظمات تؤدي دوراً أساسياً في رصد أوضاع الحقوق والحريات، والترافع بشأن الاختلالات، ومتابعة تنفيذ التوصيات الوطنية والدولية. ومن ثم، فإن توفير قنوات مؤسساتية واضحة للتواصل معها والاستجابة لمراسلاتها يشكل شرطاً لتعزيز الحوار والمساءلة، وليس مجرد إجراء إداري.

لا تتوقف الحكامة الجيدة على عدد الوزارات، بل على وضوح اختصاصاتها وفعالية أدائها. لذلك، فإن تقييم هذا الاختيار سيظل مرتبطاً بمدى ضمان تواصل حكومي مسؤول، وتفاعل جاد مع المطالب الحقوقية، وصون حرية الصحافة والتعبير، واحترام الالتزامات الدستورية والدولية للمملكة.

قد تستغني الحكومة عن وزارة، لكنها لا تستطيع الاستغناء عن مسؤولياتها. فالمعيار الحقيقي ليس وجود حقيبة وزارية تحمل اسم الاتصال أو حقوق الإنسان، بل قدرة المؤسسات على أداء وظائفها بوضوح وشفافية، وضمان ألا يتحول تغيير الهيكلة الحكومية إلى فراغ في المسؤولية أو تراجع في حماية الحقوق والحريات.

بقلم حسن بنسعود

فاعل جمعوي وحقوقي.

عاجل