أزمة الماء القروي بإقليم شيشاوة: عندما يصبح تغيير نموذج التدبير ضرورة وطنية

أزمة الماء القروي بإقليم شيشاوة: عندما يصبح تغيير نموذج التدبير ضرورة وطنية
Boubker BAROUD2 أغسطس 2026 مشاهدة

أصبحت أزمة الماء الصالح للشرب بدواوير العالم القروي بإقليم شيشاوة تتجاوز كونها مشكلا ظرفيا مرتبطا بتوالي سنوات الجفاف، لتتحول إلى أزمة بنيوية تفرض إعادة النظر في النموذج المعتمد لتدبير هذا القطاع الحيوي. فالطريقة الحالية، التي تقوم أساسا على حفر الآبار واستغلال المياه الجوفية، لم تعد قادرة على ضمان استدامة هذه الخدمة الأساسية، بل أصبحت في كثير من الحالات تساهم في تعميق الأزمة.


فالفرشة المائية بالإقليم تعرف تراجعا مستمرا بسبب توالي سنوات الجفاف، والاستغلال المفرط للمياه من طرف الاستغلاليات الفلاحية الكبرى، وانتشار الحفر العشوائي للآبار، في ظل ضعف المراقبة وغياب إجراءات زجرية فعالة. ففي الوقت الذي لا يتجاوز فيه عمق الآبار الجماعية المخصصة لتزويد الساكنة بالماء حوالي 200 متر في أحسن الأحوال، يتم حفر آبار ارتوازية خاصة يصل عمق بعضها إلى 500 متر أو أكثر، الأمر الذي يؤدي إلى استنزاف المخزون الجوفي ويجعل استمرار استغلال الآبار الجماعية أمرا شبه مستحيل.


والمفارقة أن إنجاز بئر واحدة وتجهيزها قد يكلف حوالي مليون درهم، ومع ذلك قد لا تشتغل إلا بضعة أشهر قبل أن تجف، وهو ما يطرح سؤالا حقيقيا حول نجاعة الاستمرار في اعتماد هذا النموذج الذي يستهلك أموالا عمومية كبيرة دون أن يقدم حلا دائما.


وتزداد الوضعية تعقيدا في جماعات مثل مزوضة وأهديل ومجاط، حيث تعاني المياه الجوفية من الملوحة أو من اختلاطها بالرمال، مما يجعلها غير صالحة للاستهلاك البشري، لتجد السلطات نفسها مضطرة إلى اللجوء إلى الشاحنات الصهريجية. غير أن هذا الحل يبقى مؤقتا وترقيعيا، ولا يضمن استمرارية التزود بالماء، كما أن طريقة تدبيره تثير في بعض الأحيان انتقادات مرتبطة بعدم تكافؤ الاستفادة بين مختلف الدواوير، وهو ما يفرض اعتماد معايير واضحة وشفافة تضمن المساواة بين جميع المواطنين بعيدا عن أي اعتبارات انتخابية أو سياسية.


إن المشكل الحقيقي لا يكمن فقط في ندرة المياه، وإنما في طريقة تدبيرها. لذلك فإن استمرار الاعتماد على حفر الآبار كلما جفت الآبار السابقة لن يؤدي إلا إلى استنزاف أكبر للفرشة المائية وإهدار المزيد من المال العام.

blurred image


وقد أثبتت تجارب دول مثل إسبانيا وأستراليا أن المناطق الجافة يمكنها ضمان الأمن المائي إذا اعتمدت التخطيط الاستراتيجي بدل الحلول الظرفية، وذلك من خلال إنشاء شبكات جهوية لنقل المياه، وربط المناطق القروية بمصادر مائية دائمة، والاستثمار في البنيات التحتية الكبرى، مع فرض مراقبة صارمة على استغلال المياه الجوفية.


وفي هذا السياق، تبقى السلطات العمومية هي المسؤول الأول عن حماية الفرشة المائية باعتبارها ثروة وطنية وملكا مشتركا للأجيال الحالية والقادمة. ومن واجبها السهر على التطبيق الصارم للقوانين المنظمة لاستغلال المياه، ومحاربة الحفر العشوائي والآبار غير القانونية، ومراقبة الاستغلال المفرط للموارد المائية، وضمان توزيع عادل ومنصف للمياه بين مختلف الاستعمالات، بما يحقق التوازن بين متطلبات التنمية الفلاحية وحق المواطنين في الولوج إلى الماء الصالح للشرب.


كما أن المرحلة تقتضي الانتقال إلى حلول أكثر استدامة، من بينها توسيع شبكات الربط بالماء الصالح للشرب انطلاقا من السدود والمنشآت المائية الكبرى، وإنجاز مشاريع لنقل المياه نحو المناطق الأكثر هشاشة، وإنشاء محطات لمعالجة أو تحلية المياه المالحة بالمناطق التي تستدعي ذلك، إضافة إلى تقوية آليات المراقبة واليقظة لحماية الموارد الجوفية.

إن الحق في الماء ليس خدمة اجتماعية يمكن أن تخضع للظروف أو للاجتهادات المحلية، بل هو حق دستوري وإنساني أصيل، كما أن الأمن المائي أصبح اليوم أحد أهم شروط الاستقرار الاجتماعي والتنمية المجالية. لذلك فإن إقليم شيشاوة يحتاج إلى رؤية جديدة تجعل من حماية الموارد المائية أولوية، وتنتقل من سياسة رد الفعل إلى سياسة التخطيط والاستباق، حتى لا تتحول أزمة الماء إلى تهديد دائم لاستقرار الساكنة ومستقبل التنمية بالعالم القروي.

رابط مختصر

مدير النشر

عاجل