حين تكذب الشعارات: PISA تكشف عمق أزمة التعليم بالمغرب

كِشـ تيفي8 سبتمبر 2026
حين تكذب الشعارات: PISA تكشف عمق أزمة التعليم بالمغرب

لم تكن نتائج برنامج التقييم الدولي للتلاميذ PISA 2025 مجرد أرقام جديدة تضاف إلى سلسلة التقارير الدولية حول المدرسة المغربية، بل جاءت كجرس إنذار مدوٍّ يكشف عمق الأزمة التي يعيشها قطاع التربية والتعليم، ويطرح بحدة سؤالاً لم يعد ممكناً تأجيله: بعد سنوات طويلة من الإصلاحات والمخططات والاستراتيجيات والشعارات، ماذا تحقق فعلياً داخل الفصل الدراسي المغربي؟

فالنتائج التي أعلنت عنها منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية تكشف استمرار ضعف التحصيل الدراسي لدى التلاميذ المغاربة في المجالات الأساسية. ففي القراءة، لم يتمكن سوى حوالي 13 في المائة من التلاميذ من بلوغ الحد الأدنى من الكفايات، مقابل 16 في المائة في الرياضيات و23 في المائة في العلوم، فيما يكاد حضور التلاميذ المغاربة في مستويات الأداء العليا يكون منعدماً. وهي مؤشرات لا يمكن التعامل معها باعتبارها مجرد ترتيب دولي عابر، لأنها تعكس أزمة حقيقية في امتلاك أبنائنا لأبسط أدوات التعلم والفهم والتحليل وحل المشكلات.

والأخطر من ذلك أن التراجع المسجل لا يتعلق بمجال واحد، بل يطال ركائز التعلم الأساسية: القراءة والرياضيات والعلوم. وإذا كانت القراءة هي بوابة المعرفة، فإن ضعفها يعني بالضرورة ضعف القدرة على التعلم في مختلف المواد الدراسية. فكيف يمكن لتلميذ يجد صعوبة في فهم نص مكتوب وتحليل معانيه واستخراج أفكاره أن ينجح في استيعاب مسألة رياضية معقدة أو تفسير ظاهرة علمية؟

هنا تحديداً تصبح كل الخطابات الرسمية حول «إصلاح المدرسة» و«تحسين جودة التعلمات» مطالبة بالخضوع لامتحان الواقع. لأن الإصلاح الحقيقي لا يقاس بعدد البرامج التي تم إطلاقها، ولا بعدد الاجتماعات والتقارير والعروض، ولا بالصور التي توثق عمليات تأهيل المؤسسات وتجهيز الأقسام، بل يقاس بسؤال بسيط: هل أصبح التلميذ المغربي يتعلم بشكل أفضل؟

هذا السؤال يكتسي أهمية خاصة في ظل الرهان الكبير الذي وضعته الحكومة ووزارة التربية الوطنية على مشروع «مدارس الريادة». فقد قُدم هذا النموذج باعتباره أحد أهم مداخل معالجة التعثرات التعليمية، وتحسين التعلمات الأساسية، وتقليص الهدر المدرسي، والانتقال بالمدرسة العمومية إلى مرحلة جديدة عنوانها الجودة والنجاعة.

لكن نتائج PISA تفرض اليوم نقاشاً أكثر صراحة وجرأة حول حصيلة هذا النموذج. ليس من المنطقي، طبعاً، تحميل مشروع حديث العهد وحده مسؤولية تراكمات عقود من الاختلالات، كما لا يجوز علمياً اعتبار نتائج PISA 2025 حكماً مباشراً ونهائياً على جميع مدارس الريادة. غير أن هذه النتائج تجعل من الضروري مساءلة الفلسفة التي تحكم الإصلاح برمته: هل نعالج فعلاً جذور أزمة التعلمات، أم أننا نكتفي بتغيير العناوين وإطلاق برامج جديدة فوق بنية تعليمية ما تزال تعاني من أعطاب عميقة؟

فالمدرسة المغربية لا تعاني فقط من مشكلة في طريقة تدريس الرياضيات أو القراءة، بل من منظومة كاملة من الاختلالات المتراكمة. هناك الاكتظاظ، والتفاوتات المجالية والاجتماعية، والهشاشة التي تعيشها المدرسة القروية، ونقص التجهيزات في عدد من المؤسسات، وتضخم المناهج، وتعدد اللغات، وضعف مواكبة التلاميذ الذين يعانون من التعثر، فضلاً عن الضغط المتزايد الذي يتحمله المدرسون والإدارة التربوية.

ولا يمكن الحديث عن إصلاح المدرسة العمومية دون التوقف عند وضعية نساء ورجال التعليم. فالأستاذ ليس مجرد منفذ لبرامج تقرر في المكاتب المركزية، بل هو الفاعل الرئيسي الذي تتحول بين يديه السياسات العمومية إلى واقع داخل الفصل الدراسي. وأي إصلاح يتجاهل خبرته، أو يقلل من قيمة صوته، أو يفرض عليه برامج متلاحقة دون إشراك حقيقي، سيظل إصلاحاً ناقصاً مهما كانت شعاراته جذابة.

لقد اعتادت المنظومة التعليمية المغربية خلال العقود الماضية الانتقال من مشروع إصلاحي إلى آخر: الميثاق الوطني، والمخطط الاستعجالي، والرؤية الاستراتيجية، والقانون الإطار، وخارطة الطريق، ثم مشاريع جديدة تحمل وعوداً جديدة. لكن المعضلة الأساسية ظلت قائمة: لماذا لا تنعكس كثرة الإصلاحات على تحسن ملموس ومستدام في مستوى التعلمات؟

ربما لأننا ظللنا في كثير من الأحيان نبحث عن حلول تقنية لمشكلة سياسية واجتماعية عميقة. فالمدرسة العمومية لا يمكن إصلاحها بمنطق المشاريع القصيرة المدى، ولا بمنطق النتائج السريعة، ولا بمجرد استيراد نماذج بيداغوجية وإعادة تسميتها. الإصلاح يحتاج إلى إرادة سياسية حقيقية تجعل التعليم أولوية وطنية فعلية، وليس مجرد قطاع ضمن قطاعات أخرى.

ومن المهم أيضاً قراءة نتائج PISA بقدر من الموضوعية. فالتقرير الرسمي يشير إلى أن توسع التمدرس في التعليم الثانوي أتاح مشاركة فئات أوسع من التلاميذ، بمن فيهم القادمون من أوضاع اجتماعية كانت أكثر تهميشاً، وهو عامل يجب أخذه بعين الاعتبار عند تحليل تطور النتائج بين الدورات. غير أن هذا التفسير، رغم أهميته، لا يلغي حقيقة مركزية: توسيع الولوج إلى المدرسة لا يكفي إذا لم يترافق مع ضمان جودة التعلم داخلها. فالنجاح الحقيقي لا يتمثل فقط في أن يدخل الطفل إلى المدرسة، بل في أن يخرج منها وهو قادر على القراءة والفهم والتفكير والحساب والمشاركة في المجتمع.

إن أزمة المدرسة المغربية اليوم هي أزمة تعلم قبل أن تكون أزمة نسب أو شعارات أو مؤسسات. والأرقام الدولية تؤكد أن جزءاً كبيراً من التلاميذ يصلون إلى سن الخامسة عشرة دون امتلاك الحد الأدنى من الكفايات التي يفترض أن تكون أساساً لمواصلة الدراسة والاندماج في الحياة المهنية والاجتماعية.

ومن هنا، فإن المطلوب ليس إعلان فشل جديد ثم الانتقال إلى برنامج إصلاحي جديد، بل التوقف بجرأة أمام ما يحدث داخل الأقسام. يجب إعادة الاعتبار للمدرسة العمومية باعتبارها مشروعاً مجتمعياً، وتوفير شروط العمل والتعلم، وتقليص الاكتظاظ، ودعم التعليم الأولي الحقيقي، وتقوية القراءة منذ السنوات الأولى، ومعالجة التعثرات في وقت مبكر، وتحسين تكوين المدرسين وتثمين مكانتهم، وإعادة الثقة إلى الأسرة وإلى العاملين في القطاع.

أما «مدارس الريادة»، فإن مستقبلها الحقيقي لن يحدده حجم الحملة الإعلامية التي ترافقها، ولا عدد المؤسسات التي تحمل اسمها، بل قدرتها على تقديم جواب واضح عن سؤال واحد: هل نجحت فعلاً في جعل التلميذ المغربي يتعلم أفضل؟

هذا هو الامتحان الحقيقي. وكل إصلاح لا ينعكس على قدرة الطفل المغربي على القراءة والفهم والحساب والتفكير، سيظل مجرد عنوان جديد في تاريخ طويل من الإصلاحات المؤجلة.

لقد حان الوقت للانتقال من إصلاح البرامج إلى إصلاح شروط التعلم، ومن ثقافة الإعلان عن المشاريع إلى ثقافة تقييم نتائجها، ومن تحميل الأستاذ وحده مسؤولية الفشل إلى إشراكه باعتباره شريكاً أساسياً في صناعة الحل.

فإنقاذ المدرسة العمومية المغربية لا يحتاج إلى معجزة، بقدر ما يحتاج إلى وضوح في الرؤية، واستمرارية في السياسة التعليمية، واستثمار حقيقي في الإنسان، وإرادة سياسية تجعل مصلحة التلميذ فوق الحسابات الظرفية والشعارات الموسمية.

لأن مستقبل المغرب لن يُبنى داخل البلاغات الرسمية، بل داخل القسم الدراسي.

حسن بنسعود: فاعل تربوي وحقوقي ورئيس هيئة المساواة وتكافؤ الفرص ومقاربة النوع بجماعة شيشاوة

عاجل