طانطان.. ندوة فكرية تسلط الضوء على الثقافة الحسانية وحقوق الإنسان ودورها في تحقيق التنمية المستدامة

كِشـ تيفي KechTV3 نوفمبر 2026
طانطان.. ندوة فكرية تسلط الضوء على الثقافة الحسانية وحقوق الإنسان ودورها في تحقيق التنمية المستدامة

احتضنت مدينة طانطان، يوم الأحد فاتح نونبر 2026، ندوة فكرية حول موضوع “الثقافة الحسانية وحقوق الإنسان: من الأصالة إلى العالمية”، وذلك في إطار فعاليات الدورة التاسعة عشرة من موسم طانطان “أموكار”، وبدعم من مؤسسة الموكار، وبمبادرة من المركز المغربي لحقوق الإنسان، فرع طانطان.

وشكل هذا اللقاء، الذي احتضنه مقر النيابة الإقليمية للمندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير بطانطان، محطة للنقاش وتبادل الرؤى بشأن مكانة الثقافة الحسانية في صيانة الهوية والذاكرة الجماعية، واستكشاف آفاق ارتباطها بمنظومة حقوق الإنسان، فضلاً عن بحث إمكاناتها في دعم التنمية المحلية المستدامة.

وعرفت الندوة تقديم أربع مداخلات علمية وفكرية، قاربت الموضوع من زوايا ثقافية وأنثروبولوجية وحقوقية وقانونية واجتماعية وتنموية، في محاولة لإبراز القيمة الحضارية للتراث الحساني، واستحضار سبل حمايته وتثمينه وضمان استمراريته.

وفي هذا السياق، استهل الأستاذ لديربي عبد المالك أشغال الندوة بمداخلة تحت عنوان “البعد الثقافي والأنثروبولوجي: التراث الحساني اللامادي كذاكرة جماعية”، ركز خلالها على ارتباط الثقافة الحسانية بالهوية المحلية، وما تختزنه من عادات وطقوس وتعبيرات اجتماعية تشكل جزءاً أساسياً من الذاكرة الجماعية للمجتمع الصحراوي.

كما تناول خصوصيات نمط العيش الصحراوي، مستحضراً الخيمة باعتبارها رمزاً ثقافياً واجتماعياً، إلى جانب دور الترحال والتكيف في تشكيل الموروث المحلي. وتوقف كذلك عند أهمية الشعر الحساني واللغة والألعاب الشعبية وطقوس الشاي والزواج في نقل التجارب والقيم بين الأجيال، مشدداً على ضرورة مواجهة التحديات التي تهدد هذا الرصيد اللامادي، من خلال التوثيق والحماية والتثمين.

من جهته، ناقش الأستاذ عبداتي أبلاغ، في مداخلة بعنوان “البعد الحقوقي والقانوني: العلاقة بين الثقافة الحسانية ومبادئ حقوق الإنسان”، التقاطعات بين صون التراث الثقافي وحماية الحقوق والحريات الأساسية، معتبراً أن الحفاظ على الخصوصيات الثقافية يشكل مدخلاً لتعزيز الكرامة الإنسانية وترسيخ قيم العدالة والمواطنة.

واستحضر المتدخل المرجعيات الدولية ذات الصلة بحماية التراث، وفي مقدمتها اتفاقيات منظمة اليونسكو، فضلاً عن المقتضيات الدستورية المغربية لسنة 2011 المرتبطة بالهوية الثقافية والتنوع. كما دعا إلى تعزيز الحماية القانونية للموروث الحساني، وإدماج البعد الثقافي في السياسات العمومية والبرامج التنموية، بما يضمن استمراريته ويعزز الوعي بالحقوق الثقافية.

أما الأستاذ عيسى بوزرود، فقد تناول في مداخلته الثالثة «البعد الاجتماعي والتنموي: مساهمة الثقافة الحسانية في التنمية المحلية»، الإمكانات التي يتيحها التراث الحساني في خلق دينامية اجتماعية واقتصادية، معتبراً أن تثمين الموروث الثقافي يمكن أن يشكل رافعة للتنمية المحلية متى تم استثماره وفق مقاربة تحترم خصوصيات المجتمع.

وتطرق المتدخل إلى أهمية الدراسات الأنثروبولوجية والسوسيولوجية التي اهتمت بالمجتمع الحساني، مستحضراً أعمال الدكتور رحال بوبريك، ومؤكداً ضرورة الاستفادة من الأبحاث التأسيسية في توثيق التراث وفهم التحولات الاجتماعية والثقافية.

كما دعا إلى تجاوز الإكراهات التي تحد من توظيف الثقافة في التنمية، وتشجيع المبادرات الرامية إلى ربط التراث الحساني بالتنشيط السياحي والاقتصادي، دون المساس بأصالته ومكوناته الاجتماعية.

وفي المداخلة الرابعة، قدم الدكتور السلامة مبيرة عرضاً بعنوان «دور التراث الثقافي اللامادي في تحقيق التنمية المستدامة: نماذج مقارنة مع التركيز على موسم طانطان»، أبرز فيه أن الثقافة لا تقتصر على بعدها الرمزي والهوياتي، بل تمثل أيضاً رأسمالاً اجتماعياً واقتصادياً يمكن أن يساهم في خلق فرص التنمية وتعزيز جاذبية المجالات الترابية.

واستعرض المتدخل تجارب دولية ووطنية في مجال تثمين التراث الثقافي، من بينها التجربة اليابانية وفن الفلامنكو بإسبانيا وساحة جامع الفنا بمراكش، باعتبارها نماذج توضح كيف يمكن تحويل الموروث الثقافي إلى عنصر منتج للقيمة الاقتصادية والسياحية، مع الحفاظ على خصوصياته الأصيلة.

كما سلط الضوء على موسم طانطان باعتباره فضاءً للتعريف بالثقافة الحسانية وإبراز تنوع تعبيراتها التراثية، مؤكداً أهمية تطوير هذه التظاهرة وتعزيز دورها في تثمين التراث اللامادي وتحقيق الإشعاع الثقافي والتنموي للإقليم.

وقد أفرزت المداخلات الأربع نقاشاً متعدد الأبعاد حول العلاقة بين الثقافة الحسانية وحقوق الإنسان والتنمية المستدامة، حيث برزت الحاجة إلى تكثيف جهود التوثيق والبحث العلمي، وتعزيز آليات الحماية القانونية، وإدماج الموروث الثقافي في البرامج والسياسات التنموية، فضلاً عن تشجيع المبادرات التي تتيح نقل هذا التراث إلى الأجيال الصاعدة.

واختتمت أشغال الندوة بتوزيع شواهد تقديرية على المؤطرين والمشاركين، تحت إشراف مسير اللقاء الأستاذ حميد بن الشيخ، قبل تلاوة برقية الولاء والإخلاص من طرف الكاتب الإقليمي للمركز المغربي لحقوق الإنسان، فرع طانطان. كما شهد النشاط تنظيم جلسة شاي على شرف المتدخلين والحاضرين.

وتعكس هذه المبادرة أهمية الانفتاح على النقاش الفكري والعلمي بشأن التراث الحساني، باعتباره مكوناً أصيلاً من مكونات الهوية الثقافية الوطنية، وعنصراً قادراً على الإسهام في ترسيخ قيم حقوق الإنسان وتعزيز التنمية المستدامة، شريطة توفير شروط حمايته وتثمينه واستثماره بشكل مسؤول.

عــــاجــل