من سوس إلى قلب الإعلام العربي.. منى بلهيم صحافية أمازيغية تصنع حضورها بين الكبار

هيئة التحرير1 سبتمبر 2026
من سوس إلى قلب الإعلام العربي.. منى بلهيم صحافية أمازيغية تصنع حضورها بين الكبار

من جبال سوس انطلقت الحكاية، ومن أثير راديو بلوس بأكادير بدأت منى بلهيم أولى خطواتها في عالم الصحافة، قبل أن تقودها سنوات من العمل والتكوين إلى شاشات الأخبار العربية، مرورا ببيروت والقاهرة ودالاس، وصولا إلى حضور إعلامي تجاوز الحدود المغربية.

الصحافية المغربية الأمازيغية منى بلهيم اختارت منذ بداياتها أن تجعل من الإعلام مسارا مفتوحا على التعلم والتجربة والطموح، وأن تبني تجربتها خطوة بخطوة، دون أن تتخلى عن جذورها السوسية وهويتها الأمازيغية.

كانت إذاعة راديو بلوس بأكادير المدرسة المهنية الأولى لبلهيم، حيث أمضت نحو تسع سنوات راكمت خلالها تجربة مهمة في العمل الإذاعي، واكتشفت قوة الكلمة والصوت وقدرتهما على الوصول إلى الجمهور والتأثير فيه.

وتستحضر بلهيم هذه المرحلة بكثير من الوفاء للأشخاص الذين رافقوا بداياتها وقدموا لها الدعم والتوجيه، وفي مقدمتهم الإعلامي عبد الرحمن العدوي، وليلى الشفقي، وأديب سليكي، إلى جانب الأستاذ محمد والكاش، الذي تعتبره بمثابة أب روحي لها، بالنظر إلى ما قدمه من مساندة ونصح وتوجيه خلال خطواتها الأولى في المهنة.

وبالتوازي مع الممارسة، اختارت بلهيم الاستثمار في تكوينها الأكاديمي، فدرست بمعهد الإعلام والتواصل بأكادير، كما تابعت دراستها بجامعة ابن زهر بكلية العلوم الاقتصادية. هذا الجمع بين الميدان والدراسة منحها أدوات متعددة لفهم القضايا ومقاربة الأخبار من زوايا تتجاوز الجانب الإعلامي الصرف، خصوصا في ظل تداخل الإعلام مع السياسة والاقتصاد والمجتمع والتحولات الدولية.

بعد سنوات من العمل الإذاعي، انتقلت بلهيم إلى التلفزيون، وخاضت تجربة برنامج «مذيع العرب» في لبنان، قبل أن تشارك في تقديم عدد من البرامج والسهرات داخل المغرب، ثم تلتحق بالقناة الأمازيغية، لتوسع بذلك تجربتها في مجال التقديم التلفزيوني والتعامل مع أنماط مختلفة من المحتوى الإعلامي.

غير أن القاهرة شكلت محطة مفصلية في مسارها المهني، بعدما تلقت عرضا للانضمام إلى قناة الغد الإخبارية، لتبدأ مرحلة جديدة استمرت قرابة عقد من الزمن، انتقلت خلالها من الإعلام المغربي إلى قلب صناعة الأخبار العربية.

وتوضح بلهيم أن «الغد» قناة إخبارية عربية وليست قناة مصرية، رغم أن القاهرة تعد إحدى أهم مراكز عملها، في حين يوجد مقرها الرئيسي في لندن. وقد أتاح لها العمل داخل هذه المؤسسة خوض تجربة مهنية في بيئة إعلامية ذات امتداد عربي ودولي، تتطلب من الصحافي سرعة المتابعة ودقة المعلومة والاستعداد الدائم للتعامل مع الأحداث السياسية والأمنية والاقتصادية المتلاحقة.

ومع مرور السنوات، أصبح حضور منى بلهيم على شاشة الغد جزءا من المشهد الإخباري العربي، واتسعت دائرة جمهورها من المغرب إلى متابعين في مناطق مختلفة من العالم، في مسار يعكس قدرة الكفاءات الإعلامية المغربية على الوصول إلى منصات عربية ودولية من خلال الخبرة والتكوين والاستمرارية.

ولم تتوقف رحلة التكوين عند حدود الممارسة المهنية، إذ خاضت بلهيم تجربة دراسية في مدرسة للإعلام بمدينة دالاس الأمريكية لمدة عامين، قبل أن تواصل دراستها في القاهرة وتحصل على ماجستير في إدارة الإعلام.

ويعكس هذا المسار قناعة راسخة لديها بأن الصحافي مطالب بالتعلم المستمر، خصوصا في مهنة تتغير أدواتها وأساليبها بوتيرة متسارعة، وتفرض على العاملين فيها مواكبة التحولات التكنولوجية والمهنية المتلاحقة.

وخلال سنوات عملها في قناة الغد، تلقت بلهيم عروضا من مؤسسات إعلامية أخرى، من بينها CGTN في الصين، فضلا عن عروض من العراق ومؤسسات إعلامية مختلفة، غير أنها فضلت مواصلة تجربتها داخل الغد، حيث وجدت بيئة مهنية مناسبة واستقرارا ساعدها على تطوير مسارها، إلى جانب ارتباطها بحياتها الأسرية في القاهرة.

ومن بين التجارب التي طبعت حضورها الإعلامي برنامج «حصة مغاربية»، الذي منحها مساحة أكبر للاشتغال على قضايا المغرب الكبير، والتواصل مع جمهور يمتد من المغرب إلى الجزائر وتونس وليبيا وموريتانيا.

وشكل البرنامج نافذة على الملفات السياسية والاجتماعية والإخبارية التي تشغل المنطقة، كما وفر مساحة للنقاش حول التحولات التي يعيشها المغرب الكبير.

لكن التحولات الإقليمية المتسارعة، خصوصا بعد اندلاع الحرب في غزة وتصاعد التوترات في المنطقة، فرضت تغييرا في أولويات التغطية الإخبارية، لينتهي البرنامج، دون أن يعني ذلك نهاية اهتمام بلهيم بقضايا المغرب الكبير أو انقطاع صلتها بجمهوره.

وتظل الصحافية المغربية ترى أن المنطقة المغاربية تحتاج إلى حضور أكبر داخل الإعلام العربي، وتبدي تطلعا إلى العودة إلى هذا الفضاء متى توفرت الظروف المهنية والإخبارية المناسبة.

ومع صعود المنصات الرقمية، استعادت بلهيم أيضا جانبا من التواصل المباشر مع الجمهور المغربي عبر وسائل التواصل الاجتماعي، لتواصل متابعة القضايا والأحداث التي تشغل الرأي العام، في امتداد طبيعي لمسار بدأ بالميكروفون الإذاعي، وانتقل إلى الشاشة، ثم وجد لنفسه مساحة جديدة في العالم الرقمي.

ورغم انتقالها إلى فضاءات إعلامية عربية ودولية، ظلت الأمازيغية حاضرة في تجربة منى بلهيم باعتبارها جزءا من هويتها وذاكرتها وانتمائها. فهي لا تنظر إليها باعتبارها مجرد لغة للتواصل، بل تعتبرها جزءا من الشخصية والذاكرة الجماعية.

وتؤكد تجربتها أن الانتماء إلى الثقافة الأمازيغية والعمل داخل فضاء إعلامي عربي لا يمثلان خطين متعارضين، بل يمكن أن يلتقيا في تجربة تعكس تعدد الهوية المغربية وغناها، وتثبت أن الانفتاح على العالم لا يعني التخلي عن الجذور.

وخلف الكاميرات والاستوديوهات، تحضر الأسرة باعتبارها أحد عناصر الاستقرار في هذه الرحلة، خاصة أن الجمع بين العمل والدراسة والتنقل بين المدن والبلدان لم يكن مهمة سهلة، في مهنة لا تلتزم دائما بساعات العمل التقليدية، ويظل فيها الصحافي مطالبا بالاستجابة للحدث في أي وقت.

وفي هذا الجانب، تؤكد بلهيم أهمية الدعم الذي تلقته من والديها، إلى جانب دعم زوجها أحمد عبد السلام، الذي يتفهم طبيعة مهنتها وما تفرضه من التزامات ومواعيد متغيرة، وهو ما شكل سندا مهما لها في مسار مهني يتطلب الكثير من الوقت والمرونة.

وفي القاهرة، لم يقتصر حضور منى بلهيم على شاشة الأخبار، بل امتد إلى عدد من المناسبات الوطنية والدبلوماسية المغربية، وفي مقدمتها حفلات عيد العرش التي تنظمها سفارة المملكة المغربية بمصر.

وفي هذا السياق، حظيت بثقة السفير المغربي لدى مصر محمد آيت أوعلي، الذي يحرص على دعوتها لتقديم هذه المناسبة الوطنية، وهي مهمة تحمل بالنسبة إليها قيمة مهنية ووطنية خاصة، بالنظر إلى طبيعة الحضور السياسي والدبلوماسي والثقافي والإعلامي الذي تشهده هذه المناسبات.

وتجد بلهيم في هذه المحطات فرصة لتقديم صورة عن بلدها في فضاء دبلوماسي وثقافي وإعلامي عربي، وهي مسؤولية تكتسب بالنسبة إليها معنى خاصا، خصوصا وهي تؤديها خارج المغرب وتمثل حضورا للمرأة والإعلام المغربي في محفل وطني ودبلوماسي.

وبين أكادير وبيروت والقاهرة ودالاس، تبدو تجربة منى بلهيم قائمة على معادلة واضحة: تكوين مستمر، وعمل جاد، وتراكم للخبرة، وقدرة على التطور، ووفاء للجذور.

فمن إذاعة محلية في أكادير، حيث تعرف الجمهور المغربي أول مرة إلى صوتها، انتقلت إلى التلفزيون وخاضت تجارب مهنية متعددة، قبل أن تصل إلى شاشة قناة الغد وتصبح جزءا من المشهد الإخباري العربي، مستفيدة من تكوين أكاديمي ومهني امتد من المغرب إلى الولايات المتحدة ومصر.

واليوم، تظل تجربتها مفتوحة على محطات جديدة، في وقت لم تعد فيه صناعة الإعلام محصورة في الإذاعة والتلفزيون، بل أصبحت تمتد بقوة إلى المنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي، حيث تغيرت علاقة الصحافي بالجمهور وأصبح الوصول إلى المتلقي أسرع وأوسع.

ومع ذلك، تبقى العودة إلى الجمهور المغربي والمغاربي حاضرة في رؤيتها، إلى جانب الاستمرار في الحضور الإعلامي العربي والحفاظ على الصلة بالأمازيغية باعتبارها لغة وهوية وذاكرة.

قصة منى بلهيم ليست فقط حكاية صحافية انتقلت من مدينة مغربية إلى عاصمة عربية، بل هي مسار امرأة بدأت من أثير راديو بلوس بأكادير، وراكمت تجربتها خطوة بعد أخرى، واستثمرت في تكوينها، وخاضت تجربة مهنية خارج الحدود، حتى أصبحت وجها إعلاميا مغربيا حاضرا على شاشة عربية واسعة الانتشار.

من سوس بدأت الحكاية، ومن القاهرة اتسعت الدائرة، وعلى شاشة الغد أصبح حضور منى بلهيم امتدادا لمسار إعلامي مغربي اختار أن يعبر الحدود دون أن يقطع جذوره.

وبين العربية والأمازيغية، وبين الوطن والعالم، تواصل الصحافية السوسية كتابة تجربتها المهنية، مؤمنة بأن الوصول إلى الشاشة قد يكون إنجازا، لكن الحفاظ على ثقة الجمهور، والاستمرار في التعلم، والوفاء للهوية والجذور، يظل التحدي الأكبر والنجاح الحقيقي.

أكادير: إبراهيم فاضل

عاجل