مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية، تستعد دائرة شيشاوة لخوض سباق انتخابي يبدو مفتوحا على أكثر من سيناريو، في ظل تعدد الأسماء والأحزاب الطامحة إلى الظفر بالمقاعد البرلمانية الأربعة المخصصة للدائرة، وتداخل الحسابات الحزبية مع الحضور الشخصي للمرشحين والامتدادات الاجتماعية والعائلية، فضلا عن الخصوصيات الانتخابية لكل جماعة ومنطقة.
وتحظى هذه الاستحقاقات بأهمية خاصة داخل الإقليم، بالنظر إلى التحولات التي شهدتها الخريطة السياسية والانتخابية خلال السنوات الأخيرة. فقد أظهرت نتائج الاستحقاقات السابقة وجود أكثر من قطب قادر على المنافسة، فيما كشفت الانتخابات الجزئية الأخيرة عن استمرار تفاوت واضح في موازين القوى بين مختلف المناطق، بما يجعل قراءة المشهد الانتخابي بالإقليم أكثر تعقيدا من اختزاله في قوة حزب واحد أو اسم واحد.
وفي ظل هذا المعطى، يبرز عدد من المرشحين المعروفين لدى الناخبين، إلى جانب أسماء تسعى إلى دخول دائرة المنافسة وفرض حضورها داخل المشهد السياسي المحلي. وتبدو حظوظ مختلف الأطراف مرتبطة بقدرتها على ترجمة حضورها السياسي والاجتماعي إلى أصوات فعلية، خاصة أن التجربة الانتخابية بشيشاوة أظهرت مرارا أن قوة التنظيم الحزبي تظل مرتبطة بقوة المرشح وشبكة علاقاته وقدرته على الحضور الميداني والتواصل المباشر مع الناخبين.
ويحضر حزب الأصالة والمعاصرة ضمن أبرز القوى التي تدخل السباق برهان الحفاظ على موقعها وتعزيز حضورها، بالنظر إلى ما راكمه من نتائج وحضور انتخابي داخل الإقليم. كما يراهن التجمع الوطني للأحرار على تقوية موقعه، في وقت تظل فيه الحركة الشعبية وحزب الاستقلال من الأسماء الحزبية التي يصعب إسقاطها من الحسابات، بالنظر إلى حضورهما التاريخي وشبكاتهما المحلية.
وفي الجهة المقابلة، يسعى الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية إلى العودة إلى واجهة المنافسة من خلال ترشيح حاتم أعمارة وكيلا للائحته، في خطوة تكتسي دلالة خاصة بالنظر إلى الحضور الشخصي للمرشح وإلى ارتباط اسمه بعائلة لها حضور سابق في الحياة السياسية والبرلمانية بالإقليم.
ويعد الراحل الحاج عمارة أعمارة من الوجوه السياسية والبرلمانية المعروفة بشيشاوة ومن بين قيدومي الفاعلين السياسيين بالإقليم، وهو ما يمنح ترشح نجله حاتم أعمارة بعدا إضافيا داخل السباق الانتخابي. غير أن استحضار هذا الإرث السياسي والعائلي لا يعني بالضرورة انتقال الرصيد الانتخابي بصورة تلقائية من جيل إلى آخر.
فالاسم العائلي قد يشكل عاملا مساعدا في بناء الثقة والحضور، لكنه لا يمثل في حد ذاته ضمانة انتخابية. كما أن الأجيال الجديدة من الناخبين قد تحمل تصورات وحسابات مختلفة، فيما تظل قدرة أي مرشح على تحويل حضوره الاجتماعي والسياسي إلى أصوات مرتبطة بمدى نجاحه في بناء شبكة انتخابية قادرة على تغطية مختلف المناطق والتواصل مع شرائح واسعة من الناخبين.
ومن هذه الزاوية، سيكون ترشح حاتم أعمارة واحدا من أبرز الاختبارات داخل هذه الاستحقاقات، سواء بالنسبة إلى المرشح نفسه أو بالنسبة إلى الاتحاد الاشتراكي الذي يبحث عن تعزيز حضوره داخل دائرة تعرف تعدد مراكز القوة الانتخابية. وستكشف صناديق الاقتراع في النهاية ما إذا كان الحضور الشخصي للمرشح قادرا على الرفع من رصيد الحزب، أم أن قوة التنظيم الحزبي ستظل العامل الأكثر تأثيرا في تحديد النتيجة.
وفي المقابل، لا تبدو مهمة باقي المتنافسين سهلة. فالقوى التي تسعى إلى الحفاظ على مواقعها ستكون مطالبة بتجديد الثقة الانتخابية، بينما تواجه الأحزاب الطامحة إلى استعادة حضورها السابق تحدي إعادة ترتيب صفوفها وتقوية قواعدها وتوسيع دائرة التعبئة. أما الأسماء الجديدة، فستكون أمام مهمة أكثر صعوبة تتمثل في بناء حضور انتخابي داخل دائرة واسعة ومتعددة الخصوصيات في فترة زمنية محدودة.
وتقدم نتائج الانتخابات الجزئية الأخيرة بعض المؤشرات حول طبيعة الخريطة الانتخابية بالإقليم، لكنها في الوقت نفسه تؤكد صعوبة اعتماد قراءة موحدة. فقد سجلت بعض المناطق تفوقا لحزب معين، بينما عرفت مناطق أخرى تقاربا في النتائج بين أكثر من منافس، الأمر الذي يجعل من الصعب تعميم نتيجة مسجلة في جماعة أو منطقة على باقي الدائرة.
كما أن الانتخابات التشريعية تختلف في طبيعتها عن الانتخابات الجماعية أو الجزئية، سواء من حيث حجم المشاركة أو طبيعة الرهانات أو سلوك الناخبين. وبالتالي، فإن نتائج الاستحقاقات الماضية تظل مؤشرات مهمة لفهم المشهد، لكنها لا يمكن أن تشكل وحدها أساسا لحسم نتائج الانتخابات المقبلة.
وفي هذا السياق، سيكون التوازن بين قوة الحزب وحضور المرشح أحد المفاتيح الأساسية للسباق. فالتنظيم الحزبي يوفر القدرة على التعبئة والانتشار، بينما يمنح المرشح شبكة العلاقات والمعرفة بالمجال والقدرة على التواصل المباشر مع الناخبين. وكلما نجح أي طرف في الجمع بين هذين العاملين، ازدادت قدرته على المنافسة.
ويكتسي توزيع الأصوات بدوره أهمية كبيرة، خصوصا مع محدودية عدد المقاعد وتعدد اللوائح المتنافسة. فالفوارق البسيطة في الأصوات يمكن أن تعيد ترتيب المشهد وتغير مواقع المتنافسين، ما يجعل الصراع لا يقتصر بالضرورة على صدارة النتائج، وإنما قد يمتد إلى معركة دقيقة حول المقعد الرابع.
ومع اقتراب موعد الحملة الانتخابية، ينتظر أن تتضح الصورة أكثر مع اكتمال اللوائح وظهور التحالفات واتضاح اختيارات مختلف الأحزاب، إلى جانب انتقال المرشحين من مرحلة الاستعداد إلى مرحلة التعبئة الميدانية والتواصل المباشر مع الناخبين.
وبعيدا عن التوقعات المبكرة والقراءات الجاهزة، فإن انتخابات شيشاوة تبدو في هذه المرحلة أقرب إلى سباق متعدد الأقطاب، يصعب معه إعلان فائز مسبق. فنتائج الماضي وحدها لا تكفي، وشهرة الأسماء لا تضمن الفوز، كما أن قوة الحزب لا تتحول تلقائيا إلى أصوات داخل صناديق الاقتراع.
فالنتيجة النهائية ستتحدد من خلال تفاعل مجموعة من العوامل، من بينها صورة المرشح، وسمعة الحزب، وقوة التنظيم، وشبكة العلاقات المحلية، والقدرة على التعبئة، وتوزيع الأصوات، ونسبة المشاركة، فضلا عن الأولويات التي يحملها الناخبون يوم الاقتراع.
وبناء عليه، فإن الحديث في الوقت الراهن عن أسماء محسومة الفوز يظل سابقا لأوانه. الثابت أن دائرة شيشاوة تتجه نحو معركة انتخابية مفتوحة، وأن المقاعد الأربعة ستكون محل تنافس قوي بين عدة قوى سياسية، في انتظار أن تكشف الحملة الانتخابية عن موازين القوى الحقيقية على الأرض.
وفي نهاية المطاف، ستبقى الكلمة الفصل للناخبين، الذين سيحددون من سيحافظ على موقعه، ومن سيتمكن من استعادة حضوره، ومن سينجح في تحويل رصيده السياسي والاجتماعي إلى تمثيلية برلمانية، ومن سيجد نفسه خارج دائرة الفائزين.
وهنا تكمن أهمية هذا الاستحقاق الانتخابي: فالقوة التي تبدو على الورق لا تصبح قوة انتخابية حقيقية إلا عندما تتحول إلى أصوات يوم الحسم.









