عند أبواب المدارس، في نهاية كل حصة تقريبا، يتكرر مشهد أصبح مألوفا إلى درجة أنه لم يعد يثير الانتباه: أمهات يتجمعن في انتظار أبنائهن، بعضهن يصل قبل الموعد بوقت طويل، وبعضهن يظل واقفا حتى بعد انتهاء الدراسة. والمفارقة أن الظاهرة لا تختفي حتى في الأيام العادية، بل يبدو أحيانا أن المطر وحده قادر على تفكيك هذا المجلس الاجتماعي المؤقت.
قد يبدو المشهد، للوهلة الأولى، مجرد تعبير عن خوف الأم على ابنها، غير أن علم الاجتماع النفسي يدعونا إلى النظر أبعد من التفسير المباشر. فحين يتحول السلوك الفردي إلى ممارسة جماعية متكررة، فإننا لا نعود أمام أم خائفة فقط، بل أمام ظاهرة تنتجها مجموعة من العوامل النفسية والاجتماعية والثقافية.
يمكن فهم جزء من الظاهرة من خلال ما يسمى في علم النفس الاجتماعي بالتعلم الاجتماعي: حين ترى الأم أن أمهات أخريات ينتظرن أبناءهن أمام المؤسسة، يصبح الانتظار سلوكا طبيعيا ومقبولا اجتماعيا، بل وقد يتحول إلى معيار ضمني للأم المهتمة. وهنا تظهر آلية دقيقة: عدم الانتظار قد يُفسَّر اجتماعيا باعتباره نوعا من الإهمال، بينما الانتظار الطويل يصبح دليلا على الحب والمسؤولية، حتى لو لم يكن ضروريا عمليا.
كما يمكن تفسير الظاهرة من خلال مفهوم القلق الوالدي. فالأم لا تتعامل فقط مع خطر حقيقي، وإنما مع صورة ذهنية لاحتمالات متعددة: حادثة سير، شخص غريب، اعتداء، تنمر، أو مجرد احتمال أن يتأخر الابن. ومع تكرار هذه المخاوف، يمكن أن يصبح الانتظار وسيلة لتخفيف القلق نفسه. بمعنى آخر، قد لا تنتظر الأم لأن الابن يحتاج فعلا إلى وجودها، وإنما لأنها تحتاج هي إلى الاطمئنان الذي يمنحه لها وجوده أمام عينيها.
وهنا تظهر المفارقة الأكثر إثارة للسخرية: قد تكون الأم مستعدة للوقوف ساعة أو ساعتين أمام المدرسة لأنها خائفة على ولدها، بينما يكون الولد نفسه في المساء قادرا على التجول أو اللعب أو السهر إلى وقت متأخر دون أن يثير ذلك الدرجة نفسها من القلق. وهذا يكشف أن المسألة ليست دائما مرتبطة بمقدار الخطر الفعلي، بل بالطريقة التي يُبنى بها الخطر داخل المخيال الأسري.
ومن زاوية أخرى، فإن باب المدرسة لا يؤدي وظيفة تربوية فقط، بل يتحول إلى فضاء اجتماعي نسائي بامتياز. فانتظار الأبناء يخلق فرصة للقاء، وتبادل الأخبار، ومناقشة المدرسين، والحديث عن الأسر، وأحيانا بناء شبكات اجتماعية محلية. لذلك قد يصبح الانتماء إلى جماعة المنتظرات جزءا من السلوك اليومي، ويصعب التمييز بين الوظيفة الأصلية للانتظار ووظيفته الاجتماعية الجديدة.
وهذا يقودنا إلى مفهوم الضغط الاجتماعي الناعم. قد لا تقول أم لأخرى: لماذا لا تنتظرين ابنك؟ لكن مجرد رؤية العشرات ينتظرن يمكن أن تنتج السؤال داخلياً: «هل أنا مقصرة إذا لم أفعل الشيء نفسه؟». وهكذا يتحول الاختيار الشخصي تدريجياً إلى عرف اجتماعي، ويصبح الخروج عنه محتاجاً إلى مبرر.
لكن للظاهرة نتائج أخرى لا ينبغي تجاهلها. فالحماية المفرطة قد تؤخر اكتساب الطفل للاستقلالية وتحمل المسؤولية. الطفل الذي تعود أن يجد أمه دائماً عند الباب قد يجد صعوبة في بناء علاقة مستقلة مع المدرسة والشارع والمجال العام. والتربية لا تقوم فقط على الحماية، وإنما أيضاً على منح الطفل جرعات محسوبة من الاستقلال تتناسب مع سنه وقدرته على تحمل المسؤولية.
المشكلة، إذن، ليست في أم تنتظر ابنها، ولا في أم لا تنتظره. فلكل أسرة ظروفها، ولكل طفل حاجاته، وقد تكون هناك أسباب حقيقية تجعل الانتظار ضرورياً. الإشكال يبدأ عندما يتحول الاستثناء إلى قاعدة، والاحتياط إلى عادة، والخوف إلى أسلوب دائم في التربية.
والأكثر إثارة للاهتمام أن الظاهرة تكشف شيئاً أعمق عن المجتمع نفسه: كلما تراجعت الثقة في المجال العام، وكلما شعر الآباء بأن الشارع أصبح أقل أماناً، وكلما تضخمت المخاوف حول الأطفال، ازدادت الرغبة في مراقبتهم ومرافقتهم. لذلك فإن تجمع الأمهات أمام المدارس ليس مجرد مشهد عابر، وإنما مرآة لعلاقة المجتمع بالخوف، وبالطفولة، وبالفضاء العام، وبالثقة في المؤسسات.
وفي النهاية، ربما لا تحتاج الأمهات إلى «الاختفاء» من أبواب المدارس، كما لا يحتاج الأطفال إلى تركهم يواجهون العالم وحدهم. ما نحتاجه هو إعادة التفكير في معنى الحماية نفسها: هل نحمي الطفل لكي يصبح أكثر استقلالاً، أم نحميه بطريقة تجعله أكثر اعتماداً علينا؟
فالطفل الذي تظل أمه واقفة أمام باب المدرسة خوفاً عليه من العالم، قد يحتاج يوماً إلى أن نعلمه كيف يعبر هذا العالم، لا أن نبقى دائماً واقفين عند بابه.
بقلم حسن بنسعودفاعل حقوقي وجمعوي.









