حين تصطدم الوعود الانتخابية بحسابات الدولة: من يدفع كلفة الشعارات؟

هيئة التحرير2 سبتمبر 2026
حين تصطدم الوعود الانتخابية بحسابات الدولة: من يدفع كلفة الشعارات؟

مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، تعود إلى الواجهة مجموعة من الوعود ذات الطابع الاجتماعي والاقتصادي، من رفع المعاشات وتحسين الدخول، إلى توسيع دائرة الإعفاءات والدعم وتوفير بعض الخدمات بكلفة محدودة أو مجانا، وهي مطالب تبدو من الناحية الاجتماعية جذابة ومفهومة خصوصا في ظل ارتفاع كلفة المعيشة وتزايد انتظارات المواطنين.

غير أن السياسة العمومية لا تُدار بالرغبات وحدها، والانتخابات لا تلغي قواعد الاقتصاد. فكل وعد انتخابي له في النهاية فاتورة، وكل التزام مالي جديد يحتاج إلى مصدر تمويل واضح، سواء تعلق الأمر بموارد جبائية إضافية، أو بإعادة توزيع النفقات أو باللجوء إلى الاقتراض أو بتحويل الاعتمادات من قطاع إلى آخر.

وتكفي نظرة إلى بنية المالية العمومية المغربية لإدراك حجم التحدي. فقد بلغت توقعات مجموع نفقات الميزانية العامة، بما فيها نفقات الدين العمومي، برسم سنة 2026 نحو 591.81 مليار درهم، وفق معطيات وزارة الاقتصاد والمالية. وفي الوقت نفسه، تضع الدولة ضمن أولوياتها الحفاظ على التوازنات المالية والتحكم التدريجي في عجز الميزانية، بالتوازي مع تمويل أوراش كبرى في الصحة والتعليم والحماية الاجتماعية والاستثمار العمومي.

المسألة هنا ليست رفض الوعود الاجتماعية ولا التقليل من مشروعيتها. على العكس، فرفع القدرة الشرائية وتحسين أوضاع المتقاعدين وتوسيع الحماية الاجتماعية أهداف مشروعة. لكن الاختبار الحقيقي لأي برنامج انتخابي يبدأ من اللحظة التي ينتقل فيها من الورق إلى قانون المالية: كم سيكلف؟ ومن أين ستأتي موارده؟ وهل يستطيع الاقتصاد الوطني توفير التمويل بشكل مستدام، أم أن الكلفة ستنتقل في النهاية إلى المالية العمومية أو إلى الأجيال المقبلة؟

ويصبح السؤال أكثر حساسية عندما يتعلق الأمر بالمعاشات، فرفع الحد الأدنى للمعاشات إلى مستويات مرتفعة قد يكون مطلبا اجتماعيا وجيها، لكنه لا يمكن أن يُفصل عن الوضع المالي والديموغرافي لأنظمة التقاعد. إصلاح التقاعد في المغرب نفسه مطروح ضمن الأوراش الهيكلية، فيما سبق للمجلس الأعلى للحسابات أن تناول في تقرير خاص وضعية نظام المعاشات المدنية للصندوق المغربي للتقاعد، بما في ذلك التوازنات والحكامة والاحتياطيات.

والأمر نفسه ينطبق على الوعود المتعلقة بالإعفاءات من فواتير الكهرباء أو غيرها من الخدمات. فالدولة لا تنتج الكهرباء مجانا، ولا تؤدي أجور العاملين في القطاعات العمومية من فراغ، ولا تبني المستشفيات والمدارس دون اعتمادات مالية. وبالتالي، فإن إعفاء فئة واسعة من المواطنين من أداء تكلفة خدمة معينة يعني بالضرورة أن طرفا آخر سيتحمل هذه التكلفة: الدولة أو المؤسسة العمومية أو باقي المستهلكين أو دافعو الضرائب.

وهنا تكمن المفارقة التي ينبغي أن ينتبه إليها الناخب: البرنامج الانتخابي الجيد ليس هو الذي يقدم أكبر عدد من الوعود، وإنما الذي يستطيع تفسير الطريقة التي سيحول بها تلك الوعود إلى سياسات قابلة للتمويل والتنفيذ.

فالخطاب السياسي يمكن أن يقول: سنرفع المعاشات، وسنخفض الضرائب، وسندعم الأسر، وسنوفر خدمات مجانية، وسنرفع الأجور، وسنوسع الاستثمار في الصحة والتعليم. لكن الاقتصاد الوطني يطرح سؤالا أكثر صرامة: ما حجم الموارد المتاحة لتحقيق كل ذلك في الوقت نفسه؟

وتزداد أهمية هذا السؤال في ظل استمرار الدولة نفسها في تمويل ورش الحماية الاجتماعية. فالتوجهات المالية الرسمية لسنة 2026 تتضمن مواصلة الدعم الاجتماعي المباشر لفائدة ملايين الأسر، وتوسيع الحماية الاجتماعية، إلى جانب مواصلة الإصلاحات الهيكلية والحفاظ على توازنات المالية العمومية.

لذلك، فإن النقاش الانتخابي الجاد لا ينبغي أن يتحول إلى مزاد في حجم الوعود، بل إلى منافسة في جودة الحلول. ومن حق الناخب أن يعرف ليس فقط ما الذي سيحصل عليه، وإنما أيضاً كيف سيتم تمويله، وما هي الأولويات التي سيتم التخلي عنها إن اقتضى الأمر، وما هي الإجراءات التي ستُتخذ لضمان استدامة تلك السياسات.

الانتخابات ليست مجرد مناسبة لتقديم قائمة من المطالب الاجتماعية؛ إنها أيضاً لحظة لاختبار قدرة الأحزاب والمرشحين على إدارة التوازن الصعب بين العدالة الاجتماعية والإمكانات الاقتصادية. فالإنفاق الاجتماعي ضروري، لكنه يحتاج إلى اقتصاد منتج وموارد جبائية مستدامة، والاستثمار العمومي ضروري، لكنه يحتاج إلى ضبط النفقات، وتحسين مردودية المؤسسات العمومية، ومحاربة الهدر، وتوسيع قاعدة الإنتاج والثروة.

وفي النهاية، فإن السؤال الذي ينبغي أن يرافق كل وعد انتخابي ليس: هل نريد هذا الإجراء؟، لأن أغلب المواطنين سيرحبون بأي تحسين في أوضاعهم، وإنما السؤال الأصعب هو: هل تستطيع الدولة تمويله؟ وكيف؟ وإلى متى؟

ذلك أن الفرق بين الوعد الانتخابي والسياسة العمومية هو بالضبط الفرق بين ما يمكن قوله أمام الناخبين وما يمكن إدراجه فعليا في قوانين المالية وتنفيذه على أرض الواقع.

ومن هنا، فإن الناخب المغربي لا يحتاج فقط إلى برامج أكثر سخاء، بل إلى برامج أكثر شفافية، تتضمن الكلفة التقديرية لكل وعد ومصدر تمويله والجدول الزمني لتنفيذه والنتائج المنتظرة منه. عندها فقط يمكن الانتقال من سياسة الوعود إلى سياسة الالتزامات القابلة للمحاسبة.

عاجل