لم يكن ما حدث في الملعب البلدي بقلعة السراغنة مجرد لقطة عابرة أو حركة عفوية يمكن أن تُدرج ضمن خانة “الاستثناء اللطيف”، بل كان مشهداً يحمل دلالات أعمق بكثير… مشهداً يطرح سؤالاً صريحاً: ماذا لو نزل المسؤول فعلاً من برجه العاجي واختار أن يكون بين الناس، لا فوقهم؟
سمير اليزيدي، عامل إقليم قلعة السراغنة، لم يكتفِ بالحضور الشكلي لمباراة كروية، ولم يرضَ بدور المتفرج من المنصة الرسمية حيث تُصفّق الأيادي ببرود وتُلتقط الصور وفق قواعد صارمة. بل اختار موقعاً مختلفاً… موقعاً غير مألوف لمسؤول في موقعه: مدرجات الدرجة الثالثة، حيث العفوية، حيث الصراخ، حيث الشغف الحقيقي.
هناك، وسط الجماهير، لم يكن “السيد العامل” بصفته الإدارية، بل كان مشجعاً كاملاً، يتفاعل مع كل هجمة، يصفق بحرارة، ويعيش تفاصيل المباراة كما يعيشها أي شاب بسيط جاء يبحث عن لحظة فرح. تلك اللحظة، ببساطتها، كانت كفيلة بإحداث صدمة إيجابية داخل المدرجات… صدمة كسرت الصورة النمطية للمسؤول البعيد، الصامت، المحاط بالحواجز.
ما قام به اليزيدي ليس مجرد تصرف عفوي، بل رسالة قوية بصيغة عملية: القرب من المواطن لا يحتاج دائماً إلى خطابات، بل إلى مواقف. والرياضة، كما بدا واضحاً، يمكن أن تتحول إلى جسر حقيقي لإعادة بناء الثقة بين الإدارة والمجتمع.
الأكثر إثارة في هذا المشهد، أن مرافقيه من كبار المسؤولين وجدوا أنفسهم فجأة خارج دائرة الضوء، بينما خطف هو الأنظار ببساطة حضوره. لا مواكب رسمية، لا كراسي مخملية، لا مسافة فاصلة… فقط رجل دولة قرر أن يعيش اللحظة كما هي.
هذا السلوك، وإن بدا بسيطاً، يضع نموذجاً مختلفاً لما يمكن أن تكون عليه السلطة المحلية: سلطة قريبة، إنسانية، تشارك الناس تفاصيلهم اليومية بدل الاكتفاء بتدبيرها من بعيد. وربما لهذا السبب تحديداً، لم تمر هذه المبادرة مرور الكرام، بل تحولت إلى حديث المدرجات ورسالة أمل بأن التغيير ممكن… وأن المسؤول يمكن أن يكون واحداً من الناس، لا استثناءً عنهم.
في زمن يشتكي فيه الكثيرون من فجوة متسعة بين المواطن والإدارة، جاء سمير اليزيدي ليقول، دون خطاب رسمي: “أنا هنا… بينكم”.
وقد تكون هذه الجملة، بصمتها، أقوى من ألف تصريح.
من كواليس السلطة إلى نبض المدرجات… سمير اليزيدي يكسر الجدار ويُربك البروتوكول!



















































