أعادت مناقشة مشروع قانون المالية لسنة 2027 داخل لجنة المالية والتنمية الاقتصادية بمجلس النواب، الأربعاء 28 أكتوبر، فتح النقاش بشأن مدى قدرة التدابير الاجتماعية المقترحة على تحسين القدرة الشرائية للأسر المغربية، في ظل تباين مواقف الفرق النيابية حول كلفتها المالية، وآليات تمويلها، والآجال المحددة لتنفيذها.
وخلال المناقشة العامة للمشروع، بحضور وزير الاقتصاد والمالية والنجاعة العمومية فوزي لقجع، تركزت مداخلات الفرق النيابية على عدد من الملفات، من بينها الدعم الاجتماعي المباشر، ومراجعة الضريبة على الدخل، والحد الأدنى للمعاشات، وإصلاح منظومة التقاعد، فضلا عن دعم المواد الأساسية وتوزيع الاستثمار العمومي بين الجهات.
في هذا السياق، اعتبر فريق الأصالة والمعاصرة أن الفرضيات الاقتصادية التي بني عليها المشروع تتسم بالواقعية، مشيرا إلى استهداف معدل نمو في حدود 3.7 في المائة، إلى جانب التدابير الرامية إلى توسيع الحماية الاجتماعية وتحسين دخل الفئات المستفيدة.
ومن بين الإجراءات التي توقف عندها الفريق، الرفع من الحد الأدنى للدعم الاجتماعي المباشر من 500 إلى 600 درهم شهريا خلال سنة 2027، ومواصلة تحمل اشتراكات المستفيدين المعنيين بنظام «أمو تضامن»، إلى جانب تخصيص إعانات للأطفال اليتامى والأطفال المهملين المقيمين بمؤسسات الرعاية الاجتماعية.
كما شملت التدابير المعلنة الرفع التدريجي للحد الأدنى للمعاشات الرئيسية ليصل إلى 1700 درهم خلال سنة 2027، في أفق بلوغ 3000 درهم، فضلا عن تمكين الأرامل من الاستفادة من كامل معاش الزوج المتوفى عوض نصفه، وفق ما ورد في مداخلة رئيس الفريق هشام صابري.
وفي ما يتعلق بالقدرة الشرائية، شدد الفريق على أهمية استمرار دعم غاز البوتان والسكر والدقيق الوطني للقمح اللين، إلى جانب تحمل فواتير الكهرباء التي لا تتجاوز 100 درهم شهريا لفائدة الأسر المستحقة.
غير أن الفريق أكد أن مواجهة الغلاء لا ينبغي أن تقتصر على الدعم المباشر، بل تستدعي، بحسب موقفه، تحسين الأجور والدخول، وتعزيز العدالة الجبائية، وضبط الأسواق ومحاربة الاحتكار والمضاربة.
من جانبه، ركز الفريق الاستقلالي للوحدة والتعادلية على إصلاح مسالك تسويق المواد الغذائية، من خلال إحداث شركات جهوية لتجميع وتوزيع المنتجات وتحديث أسواق الجملة، بهدف معالجة الاختلالات التي تطبع العلاقة بين المنتج والمستهلك وتقليص دور الوسطاء.
وفي المقابل، أثار رئيس الفريق رحال المكاوي مسألة توزيع الزيادات الاجتماعية على امتداد الولاية الحكومية، متسائلا عن إمكانية تكثيف الجهد المالي خلال السنة الأولى أو السنتين الأوليين، مع إقراره بأن وتيرة التنفيذ ترتبط بالظروف الاقتصادية والإمكانات المتاحة.
أما في قطاع الصحة، فقد دعا الفريق إلى تحسين جاذبية المستشفيات العمومية وظروف اشتغال مهنيي القطاع، وتجاوز الصعوبات المرتبطة بتعبئة الأطباء لشغل المناصب المتاحة، مع تعزيز موارد المؤسسات الصحية وتحسين خدمات المستعجلات والرعاية الأولية.
وبخصوص الاستثمار العمومي، الذي يبلغ غلافه المعلن 400 مليار درهم، شدد الفريق على ضرورة توجيه حصة أكبر نحو الجهات التي تعاني الخصاص، مع تفعيل دور صندوق التضامن بين الجهات للحد من الفوارق المجالية.
في المقابل، أثار فريق التجمع الوطني للأحرار تساؤلات حول طبيعة الغلاف المالي المعلن عنه بقيمة 62 مليار درهم، معتبرا أن هذا المبلغ يجمع بين التزامات جديدة وإجراءات تندرج ضمن إصلاحات سبق إطلاقها، وهو ما يستدعي، بحسب مداخلته، توضيح حجم الاعتمادات الاجتماعية الإضافية فعليا.
كما طالب رئيس الفريق ياسين عكاشة بتقديم معطيات دقيقة بشأن مصادر تمويل الالتزامات الاجتماعية ومراجعة الضريبة على الدخل، في ظل توجه الحكومة نحو تقليص العجز والمديونية.
وانتقد الفريق تأجيل عدد من الأهداف الاجتماعية إلى سنة 2031، خصوصا ما يتعلق بإصلاح الضريبة على الدخل ورفع الحد الأدنى للمعاشات والدعم الاجتماعي المباشر، متسائلا عن مدى انعكاس هذه الإجراءات على القدرة الشرائية خلال الفترة القريبة.
وفي ملف التقاعد، دعا الفريق إلى اعتماد مقاربة تشاركية تشمل المركزيات النقابية والمنظمات المهنية للمشغلين، مع تحديد الكلفة المالية للإصلاح ومصادر تمويله وكيفية توزيع أعبائه، وضمان الإنصاف بين متقاعدي القطاعين العام والخاص.
من جهتها، اعتبرت رئيسة الفريق الحركي ريم شباط أن فرضية تحقيق نمو بنسبة 3.7 في المائة قد تنطوي على تفاؤل مفرط، بالنظر إلى ارتباطها بالمحصول الفلاحي وتأثره بالتقلبات المناخية والإجهاد المائي.
كما نبهت إلى تأثير التطورات الجيوسياسية على أسعار الطاقة، وإلى أن خدمة الدين العمومي تحد من الهوامش المالية المتاحة لتمويل البرامج التنموية والاجتماعية.
وفي هذا الإطار، أثارت شباط مسألة تقليص الاعتمادات المخصصة لدعم المواد الأساسية من 22 مليار درهم سنة 2026 إلى 19.4 مليار درهم سنة 2027، متسائلة عن مدى قدرة الإجراءات المقترحة على الاستجابة الفورية لحاجيات الأسر، خاصة الطبقة المتوسطة.
ودعت، في المقابل، إلى اتخاذ تدابير أكثر استعجالا لمحاربة المضاربة وتعدد الوسطاء، مع ضمان عدم انتقال كلفة الزيادة الضريبية المفروضة على شركات المحروقات إلى المستهلك النهائي.
كما طالبت بالرفع من قيمة المنحة الجامعية وتعميمها على الطلبة وصرفها شهريا، إلى جانب مراجعة بعض مقتضيات أنظمة التقاعد بما يضمن، وفق طرحها، انتقال معاش الموظفة المتوفاة إلى زوجها الأرمل وأبنائها، تكريسا للمساواة في التغطية الاجتماعية.
وتكشف مداخلات الفرق النيابية عن تباين في تقييم مشروع قانون المالية لسنة 2027، بين من يركز على التدابير المعلن عنها لتحسين الدخل وتوسيع الحماية الاجتماعية، ومن يطالب بتوضيحات إضافية بشأن مصادر التمويل والجدول الزمني للتنفيذ ومدى استدامة هذه الالتزامات.
وبالتالي، يظل الرهان الأساسي مرتبطا بمدى ترجمة الأرقام والتدابير المدرجة في المشروع إلى نتائج ملموسة في حياة الأسر المغربية، خصوصا في ما يتعلق بالقدرة الشرائية، وتكاليف المعيشة، والمعاشات، وجودة الخدمات العمومية، فضلا عن تقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية.









