“أيت الربع”: بقايا صوَر من سفر… نحو زمن سحيق..

kechtv5 أبريل 2025 مشاهدة
“أيت الربع”: بقايا صوَر من سفر… نحو زمن سحيق..

*حسن إدوعزيز

كانت شمس الظهيرة الحارة تلقي بثقلها على الرؤوس المكدسة على ظهر شاحنة “البيد فورد” المهترئة، وهي تنسحب من “سوق حد” دمنات.. مدينة الدير الهادئة بسفح الأطلس الشامخ..، لتتوارى خلف التلال في اتجاه المجهول…

انزوى في ركن ضيق على كومة من السلع شاردا.. يراقب حواف الطريق الضيق، وهو واثق أنه يتجه إلى مكان لا يصل إليه إلا من يحمل في قلبه بعضا من الحنين والجنون..

كانت الشاحنة تهتز كسفينة في بحر عاصف من الغبار.. وصوت محركها الأجش يمخر سكون غابة موحشة من العرعار والصنوبر الممتد.. وإلى جانبه يجلس رجل عجوز بوجه صغير مصفر.. محفور بالتجاعيد..، يدخن سيجارته الرديئة ببطء..، ويحدق هو الآخر في الطريق الضيق الذي يخترق الأشجار الكثيفة.. “باينة عليك أول مرة كاتطلع للجبل؟”..، سأله دون أن يلتفت نحوه…، فأومأ له برأسه.. أن “نعم”.. قبل أن يباغته بفضول أكبر: “لْفين؟”.. ليُجيب بذهول: “أيت الربع..!”.. فابتسم العجوز ابتسامة عريضة كشف فيها عن أسنانه المنخورة بالقطران.. “كن راجل.. را الجبل هذا.. والجبل ما كايقبل البراني دغيا..!”

مع كل منعطف في الطريق، كانت الغابة تزداد كثافة..، وكأن الأشجار تتجمع وتشرئب لتراقب هذا الكائن الدخيل..، وأحيانا.. كأن عيون حيوانات برية مجهولة تلمع بين الأغصان لتختلس النظر، ثم تختفي بسرعة… وفجأة تغير الطقس مع الارتفاع.. فشعر بقطرات مطر خفيفة تتسرب من بين أغصان الصنوبر الشاهق، لتخلط رائحة التراب المتصاعد برائحة زيت المحرك المحترق.. الذي أزكم الأنوف زهاء أربع ساعات من انتظار الوصول..

أنهكه الاهتزاز والدوران جراء المنعرجات المتتالية صعودا دون توقف…، فغفا دون أن يشعر.. بعدما استأنس سمعه بهدير “البيد فورد” وكأنها تتباهى بسطوتها على ذلك العالم الموحش المعزول..، ولم يستيقظ حتى أحس بها تتوقف فجأة.. ليلقي نظرة حوله.. يتفحص المكان.. ويسأل بتلقائية: “وصلنا؟!”.. وليتمتم العجوز بنفس الابتسامة الماكرة وبلكنة محلية غامضة: “علاين..!”.. مشيرا بسبابته نحو منخفض سحيق بين جبلين يخترقهما واد عميق.. بمياه رقراقة..: “هاديك هي أيت الربع… ورا المدرسة تحت ديك الضبابة.. تما غاتسالي الطريق..!”

لم ينبس المسكين ببنت شفة.. فواصل مواجهة صمته وسط صخب الشاحنة.. وقد اشتعل محركها من جديد لمواصلة المسير.. وهي تتهاوى هذه المرة نزولا.. لتدخل مسارا ضيقا متعرجا.. وكل من عليها يتمايل يمينا ويسارا جراء الانحدار الشديد… أحس بنفسه لأول مرة يختفي بين الضباب.. فتنفس بعمق.. وشعر مع كل انحناءة للشاحنة، وكأن الغابة تهمس في أذنه بأصوات غير مفهومة لم يألفها..، فاستسلم للريح تحمل نحو أنفه روائح غريبة ومثيرة في آن… بخليط من الحاضر والماضي.. وبمزيج قوي من أعشاب برية نفاذة.. زرعت في صدره بعض الطمأنينة بأن بشرا وطقوسا بالية مرت من المكان منذ زمن سحيق…

*أستاذ

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق