تواصلت بمدينة أكادير فعاليات الدورة الرابعة من مهرجان إمينيك، المنظم من طرف جمعية محترف أيوز للثقافة والفن، وعدد من الشركاء، خلال الفترة الممتدة من 8 إلى 11 غشت الجاري، بالتزامن مع الاحتفاء باليوم الوطني للمهاجر، تحت شعار : ” مائة عام من الهجرة ” ، من خلال برمجة ثقافية وفنية وتربوية متنوعة، جعلت من أطفال الجالية المغربية المقيمة بالخارج إحدى الفئات الأساسية المستهدفة ضمن هذه الدورة.
وفي هذا السياق، شكلت الورشات التربوية والترفيهية التي احتضنتها مدينة الانبعاث بهذه المناسبة، محطة مميزة ضمن برنامج المهرجان، بعدما نجحت في الجمع بين التعلم واللعب والإبداع، وتقديم الثقافة الأمازيغية للأطفال في قالب تفاعلي بعيد عن الأساليب التقليدية، بما يمنحهم فرصة لاكتشاف مكونات من هويتهم الثقافية واللغوية بطريقة ممتعة وقريبة من عالمهم.
وتنوعت مضامين هذه الورشات بين تعلم اللغة الأمازيغية، والرسم، والموسيقى والعزف، والألعاب والدمى المتحركة، إلى جانب ورشة خاصة بتعلم حرف تيفيناغ، حيث أتيحت للأطفال فرصة التعرف على أبجديات الكتابة الأمازيغية واكتشاف جماليتها، في تجربة تربوية تسعى إلى جعل اللغة والثقافة جزءا من الممارسة اليومية للطفل، وليس مجرد معارف نظرية.
وأشرف على تأطير هذه الورشات الأستاذ والمبدع محمد أبورات، المعروف فنيا باسم ” أوسيم”، الذي اعتمد مقاربة تربوية تفاعلية تقوم على إشراك الأطفال وتحفيزهم على التعبير والمبادرة، مع توظيف الرسم والموسيقى والألعاب والأنشطة الحركية كوسائل للتعلم والتواصل. وهو ما منح الورشات أجواء مفعمة بالحيوية والمرح، وجعل الأطفال يتعاملون مع مختلف الأنشطة باعتبارها مساحة للعب والاكتشاف، وفي الوقت نفسه فرصة لاكتساب مهارات ومعارف جديدة.

ويعد محمد أبورات، أستاذ التعليم الابتدائي تخصص اللغة الأمازيغية، من الفاعلين في الحقل الثقافي الأمازيغي بجهة سوس ماسة، حيث لا يقتصر إشتغاله على المجال التربوي، بل ينفتح أيضا على الكتابة والتلحين والإبداع، حاملا معه رهانا واضحا على الأمازيغية وأدب الطفل، باعتبارهما مجالين أساسيين في بناء علاقة الأجيال الجديدة بلغتها وثقافتها.
وحصل الأستاذ أبورات على شهادة الماستر في الأدب الأمازيغي والترجمة من جامعة ابن زهر، كما أصدر عددا من الأعمال الأدبية الموجهة، خصوصا، إلى الأطفال، في تجربة تجمع بين المعرفة والإبداع ومحاولة تقريب الأدب والثقافة الأمازيغية من الناشئة بأساليب تتلاءم مع عالم الطفل واهتماماته.
وتوج هذا المسار الإبداعي والتربوي بحصوله على جائزة الثقافة الأمازيغية في صنف التطبيقات والموارد الرقمية، التي ينظمها المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، إضافة إلى حصوله على شهادة الأستاذ المبدع، وشهادة الأستاذ المتميز، من أكاديمية سوس ماسة، وهي محطات تعكس مسارا يجمع بين التدريس والإبداع والاشتغال على تطوير الوسائط التربوية والثقافية المرتبطة بالأمازيغية.
ويشارك محمد أبورات للمرة الرابعة في مهرجان إمينيك، من خلال تأطير عدد من الورشات الموجهة للأطفال، من بينها ورشة تيفيناغ ومسرح العرائس والإنشاد، في امتداد لتجربة تربوية اختارت أن تجعل من الفن وسيلة للتعلم، ومن اللعب مدخلا لاكتشاف اللغة والثقافة، ومن الطفل شريكا أساسيا في العملية الإبداعية.
وتكتسي هذه المبادرة أهمية خاصة بالنظر إلى ارتباطها بأطفال مغاربة يعيشون خارج أرض الوطن، حيث تبرز الحاجة إلى خلق فضاءات ثقافية تساعد الأجيال الجديدة من أبناء الجالية على اكتشاف جذورهم والتعرف على لغاتهم وثقافتهم، خصوصا في ظل تعدد البيئات اللغوية والثقافية التي ينشؤون داخلها.
ولم تقتصر الورشات على تلقين المعارف، بل سعت إلى تحويل الطفل من متلق إلى مشارك فاعل في العملية الإبداعية، من خلال الرسم والعزف وصناعة الألعاب والتفاعل مع الدمى المتحركة والتعرف على حروف تيفيناغ والأمازيغية بصفة عامة. وهي مقاربة تجعل من الثقافة تجربة حية، ومن الفن وسيلة للتعبير وبناء الثقة واكتشاف المواهب.
وتبرز أهمية ورشة تيفيناغ على وجه الخصوص في كونها تفتح أمام الأطفال نافذة للتعرف على أحد أبرز رموز الكتابة الأمازيغية، في انسجام مع الحضور المتنامي للأمازيغية في المشهد الثقافي والتربوي المغربي. كما أن الجمع بين تعلم اللغة والفن والموسيقى والألعاب يمنح الطفل فرصة لاستيعاب الثقافة في شموليتها، بعيدا عن الفصل المصطنع بين المعرفة والمتعة.
وفي أجواء تربوية اتسمت بالحيوية والتفاعل، تحولت فضاءات المهرجان إلى ورش مفتوح للاكتشاف والإبداع، حيث وجد الأطفال مساحة للتعبير عن ذواتهم، وتجريب مهارات جديدة، والتفاعل مع أقرانهم، في تجربة تجمع بين التربية والترفيه والثقافة.
ومن خلال هذه البرمجة، يؤكد مهرجان إمينيك أن الاحتفاء بالجالية المغربية لا ينبغي أن يقتصر على الفعاليات الفنية والاحتفالية والندوات فقط، بل يمكن أن يتحول إلى مناسبة لبناء جسور ثقافية وإنسانية مع الأجيال الجديدة من أبناء المغاربة المقيمين بالخارج، عبر منحهم فرصة للانفتاح على الثقافة المغربية، والتعرف على تنوعها، واكتشاف الأمازيغية باعتبارها مكونا أصيلا من مكونات الهوية والثقافة المغربية.
وهكذا، استطاعت ورشات الدورة الرابعة من إمينيك أن تمنح للطفولة حضورا خاصا داخل مهرجان يحتفي بمائة عام من الهجرة، مؤكدة أن الاستثمار في الطفل هو أيضا استثمار في الذاكرة والهوية والمستقبل، وأن الثقافة تصبح أكثر تأثيرا حين تصل إلى الأجيال الجديدة بلغة الإبداع واللعب والفرح.
أكادير: إبراهيم فاضل





















































