دراسة قانونية للدكتور حسني عبادي تقارن بين التجارب المغربية والفرنسية والإسبانية، وتطرح تساؤلات حول فعالية ملتمس الرقابة وإمكانية اعتماد الملتمس البناء لضمان التوازن بين الاستقرار الحكومي والمساءلة السياسية.
تطرح مسألة مراقبة العمل الحكومي ومساءلة الوزراء ورئيس الحكومة إحدى أبرز الإشكالات المرتبطة بالتوازن بين السلطتين التنفيذية والتشريعية في الأنظمة البرلمانية، خصوصا عندما يتعلق الأمر بالآليات الدستورية التي تتيح للبرلمان التعبير عن فقدان الثقة في الحكومة، وصولا إلى المطالبة بإنهاء مهامها.
وفي هذا السياق، يقدم الدكتور حسني عبادي، الباحث المتخصص في القانون العام، دراسة قانونية بعنوان «المسؤولية السياسية للحكومة بين ملتمس الرقابة وملتمس المساءلة في دستور 2011: دراسة مقارنة»، يسلط من خلالها الضوء على مدى قدرة المؤسسات التشريعية المغربية على ممارسة رقابة سياسية فعالة على الحكومة، مستحضرا التجربتين الفرنسية والإسبانية للوقوف على أوجه الاختلاف وإمكانيات تطوير الآليات الدستورية المعمول بها في المغرب.
وتنطلق الدراسة من اعتبار المسؤولية السياسية للحكومة إحدى الركائز الأساسية للنظام البرلماني، باعتبارها الآلية التي تسمح للبرلمان بمساءلة السلطة التنفيذية عن اختياراتها وتوجهاتها السياسية، دون اشتراط إثبات خطأ جنائي أو مدني، إذ يكفي أن ينشأ خلاف سياسي جوهري بين الحكومة والبرلمان حتى تصبح مسألة الثقة مطروحة.
يرصد الباحث ثلاث آليات أساسية أقرها دستور 2011 لإثارة المسؤولية السياسية للحكومة، ويتعلق الأمر بطلب الثقة الذي يبادر إليه رئيس الحكومة طبقا للفصل 103، وملتمس الرقابة الذي يختص به مجلس النواب بموجب الفصل 105، ثم ملتمس المساءلة الذي يمنحه الفصل 106 لمجلس المستشارين.
وتختلف هذه الآليات من حيث الجهة التي تبادر إلى تحريكها والنتائج القانونية المترتبة عنها. ففي الوقت الذي يستطيع فيه رئيس الحكومة اللجوء إلى طلب الثقة لتجديد دعم الأغلبية البرلمانية، يملك مجلس النواب إمكانية تقديم ملتمس الرقابة الذي قد ينتهي بإسقاط الحكومة، بينما تظل صلاحيات مجلس المستشارين محصورة في مساءلة الحكومة وفتح نقاش سياسي دون التصويت على سحب الثقة منها.
وتشير الدراسة إلى أن الفصل 103 يتيح لرئيس الحكومة ربط مواصلة تحمل حكومته لمسؤوليتها السياسية بتصريح حول السياسة العامة أو بنص يطلب المصادقة عليه، على أن يؤدي سحب الثقة بالأغلبية المطلقة لأعضاء مجلس النواب إلى استقالة الحكومة بشكل جماعي.
غير أن هذه الآلية لم تعرف، بحسب المعطيات التي يتناولها الباحث، استعمالا عمليا من طرف الحكومات المغربية، وهو ما يطرح تساؤلات حول مدى حضورها في الممارسة السياسية، رغم أهميتها الدستورية.
تولي الدراسة أهمية خاصة لملتمس الرقابة باعتباره أقوى وسيلة دستورية يمتلكها مجلس النواب لمواجهة الحكومة، بالنظر إلى إمكانية ترتيب استقالتها الجماعية في حال التصويت عليه بالأغلبية المطلقة.
وقد عرف هذا الإجراء تطورا تاريخيا في الدساتير المغربية، إذ انتقل النصاب المطلوب لتقديمه من عُشر أعضاء مجلس النواب في دستور 1962 إلى الربع في الدساتير اللاحقة، قبل أن يعود دستور 2011 إلى تخفيضه إلى الخُمس.
ورغم هذا التعديل، ما زال إسقاط الحكومة يتطلب الحصول على الأغلبية المطلقة لأعضاء مجلس النواب، وهو ما يجعل نجاح الملتمس رهينا بتوفر توافق سياسي واسع داخل المؤسسة التشريعية.
وتستحضر الدراسة تجربتين بارزتين في تاريخ البرلمان المغربي؛ الأولى تعود إلى يونيو 1964، حين تقدم فريق الاتحاد الوطني للقوات الشعبية بملتمس رقابة ضد حكومة أحمد باحنيني، احتجاجا على اختياراتها الاقتصادية والاجتماعية، غير أنه لم يحصل سوى على 61 صوتا.
أما التجربة الثانية فتعود إلى ماي 1990، عندما تقدمت المعارضة بملتمس ضد حكومة عز الدين العراقي، في سياق الاحتقان الاجتماعي وتداعيات سياسة التقويم الهيكلي، لكنه لم ينجح بدوره، بعدما صوت لصالحه 82 نائبا مقابل رفضه من طرف 200 نائب.
ويرى الباحث أن هاتين التجربتين لم تكونا تستهدفان بالضرورة إسقاط الحكومة بقدر ما شكلتا فرصة لعرض اختلالات السياسات الحكومية أمام الرأي العام، وفتح نقاش سياسي داخل المؤسسة التشريعية.
كما يشير إلى أن التلويح بتقديم ملتمس الرقابة سنة 2018 ضد حكومة سعد الدين العثماني ظل في حدود الضغط السياسي، بالنظر إلى صعوبة جمع الأصوات اللازمة لتحقيق الأغلبية المطلقة.
ومن بين التحولات التي جاء بها دستور 2011، تجريد مجلس المستشارين من إمكانية إسقاط الحكومة، وتعويض ملتمس التنبيه الذي كان معمولا به في دستور 1996 بآلية جديدة تحمل اسم ملتمس المساءلة.
وبموجب الفصل 106، يستطيع مجلس المستشارين مساءلة الحكومة عبر ملتمس يوقعه خُمس أعضاء المجلس على الأقل، ويخضع للتصويت بالأغلبية المطلقة بعد مرور ثلاثة أيام كاملة على إيداعه.
وبعد الموافقة عليه، يحال إلى رئيس الحكومة الذي يتعين عليه تقديم جواب الحكومة داخل أجل ستة أيام، يعقبه نقاش برلماني لا يترتب عنه أي تصويت.
وتبرز الدراسة أن هذه الآلية تختلف عن ملتمس الرقابة، لأنها لا تؤدي إلى إسقاط الحكومة، كما تختلف عن الأسئلة البرلمانية العادية من حيث طبيعة المبادرة الجماعية التي تستند إليها.
وتتوقف الدراسة عند أول تطبيق لملتمس المساءلة في نونبر 2017، عندما تقدم فريق الأصالة والمعاصرة بملتمس يتعلق بفاجعة سيدي بوعلام بإقليم الصويرة، التي أودت بحياة نساء أثناء توزيع مساعدات غذائية.
وقد أثار تقديم الملتمس نقاشا داخل مجلس المستشارين بشأن المسطرة القانونية المعتمدة، خصوصا ما يتعلق بكيفية إدراجه وتلاوته خلال الجلسات، والجهة المختصة بتلقيه، وهي إشكالات يرى الباحث أنها تستدعي مزيدا من التدقيق في النظام الداخلي للمجلس.
وفي المقارنة مع التجربة الفرنسية، يوضح الباحث أن دستور 1958 شكل أحد أبرز النماذج التي استلهمت منها الدساتير المعاصرة مفهوم العقلنة البرلمانية، من خلال إحاطة ملتمسات الرقابة بشروط تهدف إلى الحد من عدم الاستقرار الحكومي.
غير أن التجربة الفرنسية أثبتت أن هذه القيود لا تمنع بالضرورة إسقاط الحكومات عندما تفقد أغلبيتها البرلمانية.
فقد شهدت فرنسا سقوط حكومة جورج بومبيدو سنة 1962 إثر التصويت على ملتمس الرقابة، كما سقطت حكومة ميشيل بارنييه في دجنبر 2024 بعدما حصل ملتمس الرقابة على تأييد 331 نائبا، على خلفية الخلاف حول تمرير مشروع قانون تمويل الضمان الاجتماعي.
كما سقطت حكومة فرانسوا بايرو في شتنبر 2025، بعدما رفضت الجمعية الوطنية منحها الثقة، حيث صوت 364 نائبا ضدها مقابل 194 مؤيدا.
وتخلص الدراسة من هذه الوقائع إلى أن فعالية آليات المسؤولية السياسية لا ترتبط فقط بصياغة النصوص الدستورية، وإنما تتأثر أيضا بطبيعة الأغلبية البرلمانية ومدى تماسكها وقدرتها على ضمان استمرار الحكومة.
وتقدم التجربة الإسبانية، وفق تحليل الدكتور حسني عبادي، نموذجا مختلفا في تنظيم المسؤولية السياسية، يقوم على اعتماد ما يعرف بملتمس الرقابة البناء.
فبموجب المادة 113 من الدستور الإسباني، لا يكفي أن يتقدم النواب بملتمس يطالب بإسقاط الحكومة، بل يتعين أن يتضمن الملتمس اسم مرشح بديل لرئاسة الحكومة، وأن يحظى بموافقة الأغلبية المطلقة لمجلس النواب.
ويهدف هذا النظام إلى تفادي إسقاط الحكومات دون وجود بديل سياسي قادر على تولي المسؤولية، بما يضمن استمرار المؤسسات ويحافظ على الاستقرار الحكومي.
وقد تجسد هذا المبدأ عمليا في فاتح يونيو 2018، عندما نجح ملتمس الرقابة الذي تقدم به الحزب الاشتراكي ضد حكومة ماريانو راخوي، بعد حصوله على 180 صوتا، ليصبح بيدرو سانشيث رئيسا للحكومة.
وتشير الدراسة إلى أن إسبانيا عرفت منذ اعتماد دستور 1978 ستة ملتمسات رقابة، لم ينجح منها سوى ملتمس سنة 2018، وهو ما يعكس بدوره صعوبة تفعيل هذه الآلية، رغم إمكانية تحولها إلى وسيلة فعلية للتغيير السياسي.
من خلال المقارنة بين التجارب الثلاث، يخلص الباحث إلى أن النموذج المغربي يحتاج إلى إعادة تقييم بعض المقتضيات المنظمة للمسؤولية السياسية للحكومة، خاصة في ما يتعلق بشروط تقديم ملتمس الرقابة ومدى قدرة المعارضة على استعماله كأداة للمحاسبة السياسية.
وفي هذا الإطار، يقترح تخفيض النصاب المطلوب لتقديم ملتمس الرقابة من الخُمس إلى العُشر، على غرار ما هو معمول به في فرنسا وإسبانيا، بما يتيح للمعارضة هامشا أوسع لطرح القضايا الحكومية المثيرة للجدل وفتح نقاش عمومي بشأنها.
كما يدعو إلى دراسة إمكانية اعتماد ملتمس الرقابة البناء على الطريقة الإسبانية، من خلال اشتراط تقديم مرشح بديل لرئاسة الحكومة، بما يسمح بتحقيق التوازن بين إمكانية التغيير السياسي والحفاظ على استقرار المؤسسات.
وتشمل المقترحات أيضا ضرورة توضيح المسطرة المرتبطة بملتمس المساءلة داخل مجلس المستشارين، تفاديا للإشكالات التي أفرزها تطبيقه سنة 2017، فضلا عن وضع مقتضى صريح يحدد الآثار القانونية المترتبة عن رفض البرنامج الحكومي، لسد ما تعتبره الدراسة فراغا في العلاقة بين الفصلين 88 و103 من الدستور.
تكشف الدراسة أن دستور 2011 حافظ، في جوهره، على الفلسفة العامة التي حكمت تنظيم المسؤولية السياسية للحكومة منذ أول دستور مغربي سنة 1962، مع إدخال تعديلات همت بعض الشروط والمساطر، دون إحداث تحول جذري في طبيعة العلاقة بين الحكومة والبرلمان.
كما تبرز أن عدم نجاح أي ملتمس رقابة في إسقاط حكومة مغربية منذ سنة 1962 لا يمكن تفسيره فقط بصعوبة الشروط الدستورية، بل يرتبط أيضا بطبيعة التحالفات والأغلبيات البرلمانية التي ساندت الحكومات المتعاقبة.
وبينما تفرض حماية الاستقرار الحكومي وجود ضوابط تحول دون إسقاط الحكومات بشكل متكرر، تظل فعالية الرقابة البرلمانية شرطا أساسيا لضمان التوازن بين السلطتين التنفيذية والتشريعية.
ومن هنا تكتسب المقترحات التي قدمها الدكتور حسني عبادي أهمية خاصة في النقاش الدستوري المغربي، خصوصا ما يتعلق بإمكانية الاستفادة من النموذج الإسباني، الذي يربط إسقاط الحكومة بتقديم بديل سياسي جاهز لتحمل المسؤولية.
إعداد: الدكتور حسني عبادي، دكتور في القانون العام.









