بين النقد والحساب الانتخابي: شيشاوة تستحق تقييما موضوعيا لتجربة المهاجري

هيئة التحرير14 أغسطس 2026 مشاهدة
بين النقد والحساب الانتخابي: شيشاوة تستحق تقييما موضوعيا لتجربة المهاجري

مع اقتراب الاستحقاقات البرلمانية، بدأت ملامح المعركة الانتخابية المقبلة في إقليم شيشاوة تظهر مبكرا، ليس فقط من خلال النقاش حول البرامج والبدائل، وإنما أيضا عبر موجة من الانتقادات التي تستهدف، بشكل لافت، البرلماني هشام المهاجري، وتذهب في بعض الأحيان إلى اختزال تجربته البرلمانية في حكم جاهز مفاده أنه لم يقدم شيئا للإقليم.

ومن حق أي مواطن، وأي فاعل سياسي أو مدني، أن ينتقد أداء أي منتخب، بل إن النقد والمساءلة يشكلان جزءا أساسيا من الحياة الديمقراطية. لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو: هل نحن أمام نقد موضوعي للحصيلة، أم أمام خطاب انتخابي سابق لأوانه يسعى إلى هدم صورة سياسية قبل تقديم البديل؟

فالحكم على تجربة برلماني لا يمكن أن يتم بمنشور عابر على مواقع التواصل الاجتماعي، ولا بجملة من قبيل (ماذا فعل؟)، وإنما يحتاج إلى العودة إلى الوثائق، وتتبع الأسئلة البرلمانية، ومواقف النائب، والملفات التي حملها إلى المؤسسة التشريعية، وطبيعة القضايا التي رافع بشأنها، ثم النظر إلى ما تحقق منها وما لم يتحقق.

وعند الرجوع إلى أرشيف مجلس النواب، نجد أن حضور هشام المهاجري في قضايا إقليم شيشاوة موثق في عدد كبير من الأسئلة البرلمانية. فقد أثار، من بين ملفات أخرى، قضية تعويضات الجماعات السلالية المتضررة من نزع الملكية لفائدة الطريق السيار مراكش أكادير، ومشكل التغطية الهاتفية والإنترنت بعدد من الدواوير، وضعف التيار الكهربائي في جماعات قروية، ونقص الأطر الطبية، ودعم المؤسسات الاجتماعية، ووضعية المركز التجاري لشيشاوة، وقضايا مرتبطة بالتعليم والاقتصاد الاجتماعي والتضامني. وهذه ليست انطباعات سياسية، وإنما معطيات يمكن الرجوع إليها في السجل الرسمي للمؤسسة التشريعية.

لكن تجربة المهاجري لا تختزل في السؤال البرلماني وحده.

منذ دخوله المعترك السياسي، ساهم الرجل في إعادة تعريف صورة البرلماني لدى شريحة واسعة من سكان الإقليم. فقد أصبح حضور النائب، في تصور كثير من المواطنين، لا ينتهي عند أبواب البرلمان، وإنما يمتد إلى مكاتب الوزراء والقطاعات الحكومية والمؤسسات العمومية، من خلال الترافع عن ملفات الإقليم ومرافقة رؤساء الجماعات والمنتخبين في البحث عن التمويلات والحلول للمشاريع التنموية.

وهنا تحديدا تكمن إحدى أهم التحولات التي أحدثتها هذه التجربة.

لقد ارتفع سقف انتظارات المواطن الشيشاوي من البرلماني.

فلم يعد السؤال فقط: هل حضر النائب جلسات البرلمان؟ وهل طرح سؤالًا كتابيًا أو شفويًا؟

بل أصبح السؤال: ماذا فعل من أجل الطريق؟ وماذا فعل من أجل الماء؟ وماذا فعل من أجل الكهرباء؟ وماذا فعل من أجل فك العزلة؟ وماذا فعل من أجل الصحة والتعليم والرياضة والبنيات الاجتماعية؟ وهل طرق أبواب الحكومة؟ وهل رافق المنتخبين في الدفاع عن مشاريع مناطقهم؟

وقد يكون هذا التحول هو أحد أهم عناصر الجدل السياسي الحالي.

لأن البرلماني الذي يرفع سقف الانتظارات لا يرفعها لأنصاره فقط، وإنما يرفعها على نفسه وعلى جميع من ينافسه.

ولهذا، فإن الطريق الأسهل بالنسبة إلى المنافسين هو إطلاق حكم عام: (لم يفعل شيئًا).

أما الطريق الأصعب، والأكثر جدية، فهو أن يقال للناخبين: هذه هي حصيلته، وهذه هي مكامن ضعفها، وهذه هي الملفات التي أخفق فيها، وهذه هي البدائل التي نقدمها نحن.

وهنا يتحول التنافس من الأشخاص إلى المشاريع، ومن الشعارات إلى الأرقام، ومن التراشق على مواقع التواصل الاجتماعي إلى نقاش سياسي حقيقي.

ولا ينبغي، في المقابل، أن يتحول الدفاع عن المهاجري إلى تقديس للتجربة أو إلى ادعاء بأن كل مشروع عرفه إقليم شيشاوة خلال السنوات الماضية يعود إليه وحده. فهذا غير صحيح لا من الناحية السياسية ولا المؤسساتية. التنمية مسؤولية جماعية تشترك فيها الدولة والحكومة والسلطات الترابية والجماعات والمجالس المنتخبة والمؤسسات العمومية والبرلمان والمجتمع المدني، وكل محاولة لنسب حصيلة الإقليم كاملة إلى شخص واحد ستكون مبالغة تضر أكثر مما تنفع.

لكن، في الاتجاه المقابل، فإن إنكار أي دور للرجل أو اختزال سنوات من الترافع البرلماني والميداني في عبارة (لم يفعل شيئًا) لا يبدو أكثر موضوعية.

فالبرلماني لا يُقاس فقط بما يملك من سلطة تنفيذية، لأنه لا يملكها أصلا، وإنما يُقاس أيضا بقدرته على استعمال موقعه الدستوري والسياسي للترافع عن القضايا التي تمس الدائرة التي يمثلها.

والنقد الجاد لهذا الأداء يتطلب معرفة بهذه الوظيفة وحدودها واختصاصاتها. أما إطلاق الأحكام الجاهزة دون التمييز بين اختصاص البرلماني واختصاص الحكومة أو الجماعة أو الإدارة، فلا ينتج تقييما سياسيا ناضجا، وإنما ينتج انطباعات قابلة للتوظيف الانتخابي.

وهنا ربما تكمن المفارقة الأكبر.

فجزء من الخطاب المنتقد للمهاجري اليوم قد يكون، دون أن يقصد أصحابه ذلك، اعترافا ضمنيا بحجم الحضور الذي أصبح يتمتع به الرجل.

فلو كان حضوره السياسي بلا أثر، لما احتاج خصومه إلى تحويل حصيلته إلى موضوع مركزي في النقاش الانتخابي.

والسياسة، في نهاية المطاف، لا تخلو من هذه المفارقة: الشخص الذي ينجح في بناء حضور قوي يجذب حوله الأنصار والخصوم في الوقت نفسه؛ يصبح محل إشادة من مؤيديه، ومحل مساءلة من منافسيه، وأحيانا هدفا لحملات انتخابية مبكرة.

لكن من الخطأ أن يتحول الاختلاف السياسي إلى رغبة في إسقاط الشخص بدل منافسته، فالساحة مفتوحة.

ومن يرى أن هشام المهاجري لم يقدم ما يكفي لشيشاوة، فليقدم للناس ما هو أفضل.

ومن يرى أن تجربة الرجل استنفدت أغراضها، فليقدم وجوها جديدة ومشاريع جديدة وقدرة جديدة على الترافع.

ومن يعتقد أن بإمكانه أن يحقق للإقليم أكثر مما تحقق، فالميدان أمامه.

وهنا يصبح التنافس مفيدا لشيشاوة بدل أن يكون صراعا عليها.

أما المواطن، فلا يحتاج إلى من يخبره من يحب ومن يكره. يحتاج إلى من يضع أمامه الحقائق.

كم سؤالا طُرح؟

كم ملفا تمت إثارته؟

ما الذي تحقق؟

ما الذي لم يتحقق؟

ما الذي كان من اختصاص البرلماني؟

وما الذي كان من اختصاص الحكومة أو الجماعات أو المؤسسات الأخرى؟

ثم بعد ذلك، فليحكم المواطن.

إن الانتخابات ليست محكمة لتصفية الحسابات، وليست كذلك مهرجانا لتوزيع شهادات الاستحقاق. إنها لحظة لتقييم التجارب واختيار من يعتقد المواطن أنه قادر على تمثيله والدفاع عن مصالحه.

وإذا كان هشام المهاجري قد ساهم منذ 2015 في رفع سقف انتظارات سكان إقليم شيشاوة من البرلماني، فإن التحدي الحقيقي أمام منافسيه اليوم ليس خفض هذا السقف، وإنما تجاوزه.

فالسياسة سوق مفتوح، كما يقال، ومن يملك الأفضل فليتقدم.

وفي ذلك فليتنافس المتنافسون.

عاجل