عندما تدخلت السلطة لتحديد ثمن الأضحية: أين تنتهي الليبرالية وأين تبدأ الحماية الاجتماعية؟

Kech TV26 مايو 2026 مشاهدة
عندما تدخلت السلطة لتحديد ثمن الأضحية: أين تنتهي الليبرالية وأين تبدأ الحماية الاجتماعية؟

أثارت الواقعة التي شهدتها إحدى رحبات بيع الأغنام بسيدي بنور، بعدما تدخلت قائدة لخفض ثمن خروف من 3500 إلى 2500 درهم، نقاشا واسعا بين من اعتبر الأمر انتصارا للمواطن البسيط في مواجهة المضاربة، وبين من رأى فيه تدخلا مباشرا في حرية السوق والتجارة. والحقيقة أن هذه الواقعة تفتح الباب أمام نقاش أعمق يتعلق بطبيعة النموذج الاقتصادي الذي اختاره المغرب، وحدود تدخل السلطة في السوق، خصوصا في ظل العقيدة الليبرالية التي تقوم أساسا على حرية المبادرة والمنافسة والعرض والطلب.

فمن الناحية القانونية، يعتمد المغرب منذ سنوات على اقتصاد السوق الحر، وهو توجه تؤطره عدة نصوص دستورية وتشريعية تشجع حرية الاستثمار والمنافسة وحرية تحديد الأسعار، باستثناء بعض القطاعات أو الحالات الاستثنائية التي تتدخل فيها الدولة بشكل رسمي ومؤطر. وبالتالي، فإن الأصل هو أن يحدد ثمن الأضاحي وفق آليات السوق، بناءً على العرض والطلب وتكاليف الإنتاج والنقل والأعلاف وغيرها.

لكن في المقابل، يمنح القانون أيضا للسلطات المحلية صلاحيات مرتبطة بحماية النظام العام الاقتصادي والاجتماعي، والتصدي للمضاربة والاحتكار والتلاعب بالأسعار، خاصة في المناسبات الحساسة التي تعرف ضغطا اجتماعيا كبيرا، مثل عيد الأضحى. وهنا يظهر التوتر القائم بين منطقحرية السوق ومنطق التدخل الحمائي للدولة.

اقتصاديا، يرى أنصار الفكر الليبرالي أن أي تدخل مباشر في تحديد الأسعار قد يؤدي إلى نتائج عكسية، لأنه يربك السوق ويبعث رسائل سلبية للكسابة والتجار، خصوصا إذا شعروا أن السلطة قد تتدخل في أي لحظة لفرض أثمنة معينة خارج قواعد السوق. كما أن هذا النوع من التدخل قد يدفع بعض البائعين إلى تقليص العرض أو اللجوء إلى البيع خارج الأسواق الرسمية، مما يخلق اختلالات أكبر بدل حل المشكل.

في المقابل، يعتبر آخرون أن الليبرالية الاقتصادية لا تعني ترك المواطن فريسة للمضاربة والاحتكار، وأن الدولة تبقى مطالبة بالتدخل حين يتحول السوق إلى فضاء للاستغلال المفرط، خاصة في ظل القدرة الشرائية الضعيفة وارتفاع تكاليف المعيشة. فالسوق الحر، حتى في أكثر الدول الليبرالية، لا يشتغل بدون رقابة أو ضوابط أخلاقية وقانونية.

أما اجتماعيا، فقد كشفت الواقعة عن حجم الاحتقان الذي يرافق موضوع أضحية العيد بالمغرب، بعدما أصبحت الأضحية بالنسبة لكثير من الأسر عبئا ماليا ثقيلا، لا مجرد شعيرة دينية. لذلك، فإن أي تدخل لصالح تخفيض الأسعار يجد تعاطفا شعبيا واسعا، حتى وإن كان يثير نقاشا قانونيا واقتصاديا. فالمواطن البسيط لا ينظر غالبا إلى تعقيدات النظرية الليبرالية، بل ينظر إلى قدرته على شراء أضحية بثمن يناسب دخله.

حسن بنسعود رئيس المركز المغربي لحقوق الإنسان بشيشاوة

عاجل