دورة يوليوز لجهة مراكش آسفي: حين تكشف الأرقام حدود العدالة المجالية… وشيشاوة خارج دائرة الأولويات

هيئة التحرير8 يوليو 2026 مشاهدة
دورة يوليوز لجهة مراكش آسفي: حين تكشف الأرقام حدود العدالة المجالية… وشيشاوة خارج دائرة الأولويات

مرة أخرى، مرّت دورة مجلس جهة مراكش آسفي العادية لشهر يوليوز 2026 في أجواء من التوافق والإجماع، حيث صادق أعضاء المجلس على مختلف النقط المدرجة في جدول الأعمال دون معارضة تُذكر. غير أن لغة الإجماع التي طبعت أشغال الدورة لم تستطع إخفاء سؤال جوهري يزداد إلحاحا سنة بعد أخرى: أين موقع إقليم شيشاوة من الخريطة التنموية للجهة؟


فبينما حملت الدورة مشاريع مهيكلة واستثمارات استراتيجية لفائدة عدد من أقاليم الجهة، بدا إقليم شيشاوة وكأنه مرة أخرى خارج دائرة الأولويات التنموية الحقيقية. ويكفي الاطلاع على طبيعة المشاريع المصادق عليها للوقوف على حجم المفارقة؛ فإقليم قلعة السراغنة حظي بمشروع إحداث نواة جامعية، وعمالة مراكش استفادت من مشاريع طرقية وهيكلية كبرى، من بينها تثنية الطريق الإقليمية المؤدية إلى أمزميز، وحماية المدينة من فيضانات وادي إسيل، وترميم الأسوار التاريخية، وإحداث مجزرة جهوية عصرية، فيما استفاد إقليم الصويرة من دعم الربط الجوي وتعزيز جاذبيته الاقتصادية والسياحية.


أما شيشاوة، فقد اقتصر نصيبها على مشروع يتعلق بإحداث مناطق للأنشطة الاقتصادية، وهو مشروع يثير أكثر من علامة استفهام بالنظر إلى التجارب السابقة بالإقليم. فهذه المناطق لم تستطع خلال السنوات الماضية أن تتحول إلى رافعة حقيقية للاستثمار أو إلى فضاءات قادرة على خلق الثروة وفرص الشغل بالشكل المأمول، ما يجعل التساؤل مشروعا حول جدوى إعادة تقديم الوصفة نفسها دون تقييم موضوعي لأسباب تعثرها.


فإذا كانت التجارب السابقة لم تحقق الأهداف المعلنة، فلماذا الإصرار على إعادة إنتاج النموذج ذاته؟ ولماذا لا يتم التفكير في مشاريع أكثر انسجاما مع حاجيات الإقليم وإمكاناته الاقتصادية والاجتماعية؟


إن شيشاوة لا تحتاج اليوم إلى عناوين تنموية فضفاضة بقدر ما تحتاج إلى مشاريع مهيكلة قادرة على إحداث تحول حقيقي في واقعها الاقتصادي. فهي في حاجة إلى أسواق جملة عصرية لتثمين المنتوجات الفلاحية وتسويقها، وإلى محطة طرقية حديثة تواكب نمو المدينة، وإلى تأهيل المراكز شبه الحضرية التي ما زالت تعاني خصاصا واضحا في التجهيزات والخدمات الأساسية.


كما تحتاج إلى تثمين سلاسل الإنتاج المحلية وربطها بالاستثمار والتصنيع والتسويق، بدل الاكتفاء بإنتاج المواد الأولية دون قيمة مضافة حقيقية. فالإقليم يزخر بمؤهلات فلاحية وطبيعية مهمة، غير أن ضعف البنيات الاقتصادية يحول دون تحويل هذه المؤهلات إلى فرص للتنمية والتشغيل.


وفي مجال البنية التحتية، لا يزال مشروع الطريق المزدوج بين شيشاوة ومراكش يمثل أحد أكبر الملفات المؤجلة. فهذه الطريق ليست مجرد ممر للسيارات، بل شريان اقتصادي وتنموي قادر على تعزيز جاذبية الإقليم وتقليص الفوارق المجالية. كما أن استكمال الطريق الرابطة بين الشماعية وشيشاوة يظل مطلباً ملحاً، لما له من دور في تحسين الربط بين الأقاليم وفتح آفاق جديدة للاستثمار والتنقل.


أما في قطاع التعليم العالي، فإن استمرار غياب نواة جامعية أو معاهد عليا متخصصة بالإقليم يطرح بدوره أكثر من سؤال. فبينما تستفيد أقاليم أخرى من مؤسسات جامعية جديدة، يضطر طلبة شيشاوة إلى تحمل أعباء التنقل أو الهجرة نحو مدن أخرى من أجل متابعة الدراسة، في وضع لا ينسجم مع مبدأ تكافؤ الفرص والإنصاف المجالي.


غير أن التحدي الأكبر الذي يواجه الإقليم اليوم يبقى هو تحدي الماء. فشيشاوة تعد من أكثر أقاليم الجهة تضرراً من آثار الجفاف وتراجع الموارد المائية، في وقت تعرف فيه الفرشة المائية استنزافا متواصلا يهدد مستقبل النشاط الفلاحي واستقرار الساكنة.


والمفارقة أن مشروع نقل المياه المحلاة نحو مدينة مراكش يمر عبر منطقة الشماعية، ولم تعد تفصل هذه الشبكة عن مدينة شيشاوة سوى حوالي 65 كيلومترا فقط. وهو معطى استراتيجي يفرض نفسه بقوة في النقاش التنموي بالإقليم.


فإذا كانت الدولة قد استثمرت مليارات الدراهم لضمان الأمن المائي للمدن الكبرى، فهل يعقل أن تبقى شيشاوة خارج هذه الدينامية، رغم قربها الجغرافي من شبكة نقل المياه المحلاة؟ وهل يصعب برمجة وصلة لا تتجاوز 65 كيلومترا من أجل ربط الإقليم بهذا المشروع الحيوي؟


إن ربط شيشاوة بالمياه المستدامة القادمة من محطات التحلية لم يعد ترفا تنمويا أو مطلبا قطاعيا محدودا، بل أصبح ضرورة استراتيجية للحفاظ على ما تبقى من الفرشة المائية، وتأمين التزود بالماء الصالح للشرب، وضمان استمرارية النشاط الفلاحي، وحماية آلاف الأسر من تداعيات الجفاف والهجرة القروية التي تهدد التوازنات الاجتماعية والاقتصادية بالإقليم.


وأمام هذا الواقع، تتجه الأنظار أيضا إلى ممثلي إقليم شيشاوة داخل مجلس الجهة، الذين يُفترض أن يكونوا صوت الإقليم والمدافعين عن أولوياته التنموية. فالسكان لا ينتظرون حضورا بروتوكوليا داخل الدورات، بل ينتظرون ترافعا قويا وقادرا على انتزاع المشاريع التي يستحقها الإقليم، أسوة بباقي أقاليم الجهة.


لقد كشفت دورة يوليوز 2026 مرة أخرى أن الفجوة بين الخطاب الرسمي حول العدالة المجالية وبين واقع توزيع المشاريع ما تزال قائمة. فالتنمية لا تُقاس بعدد الاتفاقيات المصادق عليها، بل بمدى انعكاسها على حياة المواطنين في مختلف ربوع الجهة.


واليوم، لا تطالب شيشاوة بمعاملة تفضيلية أو استثناء خاص، بل تطالب فقط بحقها المشروع في نصيب عادل من الاستثمارات العمومية، وبمشاريع مهيكلة توازي حجم انتظارات ساكنتها وتستجيب للتحديات الحقيقية التي تواجهها. أما استمرار تأجيل هذه المطالب، فلن يؤدي إلا إلى تعميق الشعور بالتهميش وترسيخ صورة جهة تتقدم فيها بعض الأقاليم بسرعة، فيما تُترك أقاليم أخرى على هامش التنمية تنتظر دورها الذي لا يأتي.

عاجل