بعد أربعة عشر عاما من الانتظار… ماذا تعني براءة هشام المهاجري؟

Kech TV23 مايو 2026 مشاهدة
بعد أربعة عشر عاما من الانتظار… ماذا تعني براءة هشام المهاجري؟

حسن بنسعود، فاعل حقوقي وجمعوي.

إن الحكم الصادر ببراءة البرلماني هشام المهاجري في القضية المرتبطة بما عُرف إعلاميًا بملف معارض الجديدة، لا يمكن قراءته فقط باعتباره نهاية لمسار قضائي طويل، بل باعتباره أيضًا محطة كاشفة لتعقيدات التداخل بين المسؤولية التدبيرية والمسؤولية التعاقدية داخل ملفات تدبير الشأن العام.

فالملف، الذي يعود إلى سنوات طويلة، انطلق أساسا عقب الملاحظات التي تضمنها تقرير المجلس الجهوي للحسابات بسطات حول تدبير بعض الملفات المرتبطة بالجماعة الحضرية للجديدة، وهي الملاحظات التي فتحت الباب أمام أبحاث وتحقيقات قضائية انتهت بإحالة عدد من الأطراف على أنظار غرفة الجنايات المختصة بجرائم الأموال بمحكمة الاستئناف بالدار البيضاء، ضمن الملف عدد 282/2018 المتعلق بجرائم الأموال.

وقد ارتبط اسم هشام المهاجري في هذا الملف بصفته مقاولًا وصاحب شركة مختصة في تنظيم المعارض، حيث كانت تربطه بالجماعة علاقة تعاقدية مرتبطة باستغلال فضاء “ملعب لشهب” بمدينة الجديدة لتنظيم معارض وتظاهرات تجارية. غير أن جوهر النقاش القانوني الذي ظل مطروحًا طوال سنوات المحاكمة تمثل أساسا في تحديد طبيعة المسؤولية وحدودها: هل يتعلق الأمر بمقاول متعاقد مع الجماعة في إطار علاقة تعاقدية وتجارية، أم بمسؤول عمومي يملك سلطة القرار والتصرف في المال العام؟

ومن الناحية القانونية الصرفة، فإن مسؤولية تدبير الممتلكات الجماعية وتحديد شروط الاستغلال والكراء والمراقبة تبقى من اختصاص الجهات الجماعية صاحبة القرار الإداري والمالي، باعتبارها الجهة المخول لها قانونًا تدبير الملك الجماعي واتخاذ القرارات المرتبطة به. أما المتعاقد، مهما كانت صفته، فإنه يظل طرفًا في علاقة تعاقدية تحكمها التزامات متبادلة، دون أن تتحول تلقائيًا إلى مسؤولية جنائية مرتبطة بتبديد المال العام، ما لم يثبت وجود أفعال مادية أو قانونية مباشرة تؤسس لتلك المسؤولية.

ولهذا اكتسب الحكم بالبراءة بعدًا خاصًا لدى عدد من المتابعين، باعتباره أعاد التمييز بين المسؤولية التدبيرية للمؤسسة المنتخبة، وبين الوضع القانوني لمتعامل اقتصادي لا يملك صفة الآمر بالصرف ولا سلطة اتخاذ القرار داخل الجماعة. وهي نقطة ظلت حاضرة بقوة في النقاش العمومي المواكب لهذا الملف منذ بدايته.

غير أن الجانب الإنساني في القضية لا يقل أهمية عن بعدها القانوني. فأربعة عشر عامًا من المتابعة القضائية كفيلة بأن تتحول إلى عبء نفسي ومعنوي ثقيل، خاصة بالنسبة لشخص يوجد في واجهة العمل السياسي ويخضع باستمرار للتقييم العمومي والجدل السياسي والإعلامي. فالملفات الطويلة، حتى في حالة البراءة، تترك أثرًا عميقًا على أصحابها، لأنها تضعهم لسنوات داخل دائرة الانتظار والشك والترقب.

وفي المقابل، فإن الجدل السياسي الذي رافق القضية يعكس طبيعة الحياة السياسية نفسها، باعتبارها مجالًا مفتوحًا للتنافس والصراع وتدافع المشاريع والطموحات. ومن الطبيعي أن تظهر أصوات تدعو إلى التغيير وتجديد النخب وظهور وجوه جديدة، لأن السياسة بطبيعتها لا تعترف بالفراغ ولا تمنح الشرعية الدائمة لأحد. غير أن الحسم الحقيقي في النهاية يبقى بيد الميدان والرأي العام، عبر معيار وحيد يتمثل في الحضور والإنجاز والقدرة على الإقناع.

إن الأحكام القضائية تبقى عنوان الحقيقة القانونية، أما التقييم السياسي فيظل رهينًا بما يقدمه الفاعلون داخل المجتمع، وبما يتركونه من أثر في الواقع، بعيدًا عن منطق الاصطفاف أو الرغبة في تحقيق المكاسب عبر تعثر الآخرين.

عاجل