في خطوة تعكس حرص الدولة على تعزيز الأمن العقاري وحماية حقوق المواطنين، جاءت دورية وزارة الداخلية الصادرة بتاريخ 10 يونيو 2026 لتضع حدا لسنوات من اللبس الذي رافق استعمال مسطرة تصحيح الإمضاء في بعض المعاملات العقارية. فهذه الدورية لم تكن مجرد تذكير بمقتضيات قانونية قائمة، بل شكلت رسالة واضحة بأن زمن استغلال تصحيح الإمضاء كوسيلة للالتفاف على قوانين التوثيق العقاري قد ولى.
لقد شهدت العديد من الجماعات الترابية خلال السنوات الماضية حالات تم فيها تقديم وثائق عرفية وعقود غير مستوفية للشروط القانونية، ثم جرى إضفاء نوع من المشروعية الوهمية عليها عبر المصادقة على الإمضاءات. وهو ما دفع عددا من المواطنين إلى الاعتقاد بأن تلك الوثائق تمنحهم حقوقا قانونية كاملة في عقارات أو أراض أو مساكن، قبل أن يصطدموا لاحقا بواقع قانوني مختلف أمام المحاكم والإدارات المختصة.
وتكمن خطورة هذا الوضع في أن العقار لا يمثل مجرد ملكية مادية، بل يعد ركيزة للاستقرار الاجتماعي والاقتصادي للأسر المغربية. لذلك فإن أي تساهل في ضبط المعاملات العقارية يفتح الباب أمام النزاعات القضائية ويهدد الأمن القانوني للملكية الخاصة، وهو ما تسعى الدولة اليوم إلى محاصرته من خلال تشديد احترام قواعد التوثيق.
الدورية الجديدة أكدت بشكل لا يقبل التأويل أن الجماعات الترابية ليست جهة مختصة بتوثيق التصرفات العقارية، وأن مهمة الموظف الجماعي تقتصر على الإشهاد على صحة الإمضاء وليس على مضمون الوثيقة أو قانونيتها. وبذلك تم وضع حد لسوء الفهم الذي كان سائدا لدى فئات واسعة من المواطنين الذين كانوا يربطون بين وجود ختم الجماعة وبين سلامة الوثيقة من الناحية القانونية.
كما أن هذه الخطوة تحمل بعدا مؤسساتيا مهما، لأنها تكرس مبدأ وضوح الاختصاصات وتحصن الإدارة من الانخراط، ولو بشكل غير مباشر، في معاملات قد تكون مخالفة للقانون. فالإدارة مطالبة اليوم بأن تكون أداة لحماية الحقوق وليس منفذا يمكن أن تستغل من خلاله الثغرات القانونية.
إن أهمية هذه الدورية تتجاوز بعدها الإداري، لتلامس جوهر إصلاح منظومة العقار بالمغرب. فهي تعزز الثقة في المؤسسات، وتدعم الأمن التعاقدي، وتبعث برسالة قوية إلى مختلف المتدخلين مفادها أن حماية الملكية العقارية أصبحت أولوية لا تقبل التهاون.
وفي النهاية، فإن دولة الحق والقانون لا يمكن أن تقوم على التساهل مع الممارسات المخالفة أو على ترك مساحات رمادية تسمح بتأويل النصوص القانونية. ومن هذا المنطلق، تبدو دورية وزارة الداخلية الصادرة في 10 يونيو 2026 خطوة متقدمة نحو تخليق المرفق العمومي، وترسيخ الأمن العقاري، وضمان حماية أفضل لحقوق المواطنين وممتلكاتهم.





















































