في كل سنة، ومع اقتراب عيد الأضحى، يتحول جزء كبير من المجتمع إلى حالة استنفار جماعي، ليس بسبب البعد الديني والروحي لهذه المناسبة، بل نتيجة ضغط اجتماعي جعل من الخروف معيارًا للكرامة ومقياسًا للوضع الاجتماعي، حتى أصبح كثير من الأسر يعيش حالة رعب حقيقية قبل العيد بدل أن يعيش فرحته.
وسط هذا الجنون الاستهلاكي، تظهر مشاهد مؤلمة لا علاقة لها بروح الدين ولا بمقاصده؛ أسر تبيع أثاث البيت، وأخرى تستدين من أجل شراء أضحية تفوق قدرتها المادية، فقط حتى لا تسمع تلك العبارة القاسية من المحيط:
“ما عيدوش؟.
لقد تحول عيد الأضحى، أو كما يسمى بالأمازيغية “العيد ن تيفيي” أي “عيد اللحم”، عند البعض إلى امتحان اجتماعي قاسٍ، لا يرحم الفقير ولا يراعي الظروف الاقتصادية الخانقة التي يعيشها ملايين المغاربة، في ظل الغلاء وارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية.
والأسوأ من ذلك أن المجتمع يشارك أحيانا، بوعي أو من دونه، في صناعة هذا الضغط النفسي الخطير، حين يتم ربط قيمة الإنسان بحجم الخروف الذي اشتراه أو بثمنه.
في الثقافة الأمازيغية يسمى العيد “العيد ن تيفيي”، أي “عيد اللحم”، لكن المفارقة اليوم أن البعض لم يعد يحتفل بالعيد، بل أصبح يحتفل فقط بتخزين اللحم داخل المجمدات، وكأن الغاية من المناسبة هي ملء الأكياس البلاستيكية، لا إحياء قيم التضامن والرحمة وصلة الرحم.
ما يحدث اليوم يحتاج إلى وقفة مجتمعية حقيقية، لأن الدين لم يأتِ لتعذيب الناس أو دفعهم إلى التهلكة، بل جاء للتيسير ورفع الحرج. فلا معنى أن تدخل أسرة بسيطة في دوامة ديون تمتد لأشهر طويلة من أجل يوم واحد، ولا معنى أن يعيش الأب ضغطًا نفسيًا رهيبًا خوفًا من نظرة المجتمع أو مقارنات الجيران.
المؤلم أكثر أن بعض الأسر أصبحت تضحي باستقرارها المالي من أجل “صورة اجتماعية” مؤقتة، بينما الحقيقة أن الكرامة لا تُقاس بثمن الأضحية ولا بحجم الخروف، بل بقدرة الإنسان على حماية أسرته من الحاجة والذل والدين.
لقد آن الأوان لإعادة فتح النقاش حول هذه العادات الاجتماعية التي تحولت إلى عبء ثقيل على الفقراء والطبقة المتوسطة. فالعيد مناسبة للفرح، وليس موسما للإفلاس الجماعي، ومن حق أي أسرة أن تعيش العيد وفق إمكانياتها، دون شعور بالنقص أو الخجل.
إن أخطر ما نعيشه اليوم ليس فقط غلاء الأضاحي، بل غلاء نظرة المجتمع أيضا؛ تلك النظرة التي تدفع البعض إلى التضحية براحتهم واستقرارهم فقط حتى لا يصبحوا مادة لكلام الناس.
العيد يوم واحد، لكن آثار الديون قد تستمر سنة كاملة. وبين فرحة مؤقتة ومعاناة طويلة، يبقى السؤال الحقيقي:
هل نحتفل بالعيد… أم نذبح البسطاء باسم العيد؟
أكادير: إبراهيم فاضل




















































